يقول مالك بن نبي عن "إنسان ما بعد الموحدين" إن "نفسه المريضة تخلقت في جو يشيع فيه الإفلاس الخلقي والاجتماعي والفلسفي والسياسي"، ولذلك فالمسألة هي أبعد من شخص قائد بعينه. إن القرآن يبني فلسفته ليس على قتل الباطل، أو التآمر على الاستبداد، ولا إشباع القلب بكراهية سلطة أو محاولة اغتيال زعيم… فهذه كلها اختلاطات مربكة لا تزيد المرض إلا تفاقماً، لذلك فإنه لا حل للمشكلة إلا بالابتعاد عن كل حل من هذا النوع.
وإذا عدنا إلى فكرة النماذج، فسنجد أحدها متمثلاً في الإنسان العربي الحالي الذي طلّق إرادته ثلاثاً، وأصبح هناك من يفكر عنه بالوكالة بعد أن لبس حلة القاصرين. وثاني هذه النماذج هو من تحررت إرادته، كما فعل شباب تونس في شتاء 2011، حيث تطهروا بنار البوعزيزي. أما النموذج الثالث فهو الذي يقول: قبل أن تهدموا الكعبة، اقتلوني فلن أرى ولا يمكن أن أسمح بما يحدث.
إن بعض الجيوش والشعوب العربية تقاد إلى الكوارث من خطامها، لأنها مغيبة الوعي عن التاريخ وخارج العصر. وإن شحن الإرادة من السلبية المطلقة إلى الإيجابية الفائقة هو محصل تيار إلكتروني عارم من الإرادة بدفعها نحو المثل الأعلى، كالليزر حين يقوم بتجميع حزم الضوء باتجاه نقطة واحدة حارقة.
يروي المؤرخ ديورانت أن كوبرنيكوس اكتحلت عيناه بكتابه عن الأجرام السماوية قبل موته بساعة. ويبقى السؤال: لماذا كان اكتشاف كوبرنيكوس انقلابياً إلى هذا الحد، وهو لم يزد عن أن شرح من يدور حول من؟! والجواب في ثلاث زوايا: زلزلة أشد الأمور وثوقاً، وضرورة إعادة النظر في مفاصل أساسيات التفكير، والإيمان بوصفه تحرراً من الدوغمائية. وخلاصة ذلك معاً أن الإيمان هو تقليب النظر في السموات والأرض كآيات لأولي الألباب. ويفيدنا هذا الأمر في إبراز ثلاث حقائق: أن الشعوب هي التي تختار أصفادها، وأن القادة ليسوا سوى كواكب انفصلت عن جرم الشمس فهي تدور حول الأمة، وأن الكسوف الاجتماعي يتم عندما تكف إرادة الفرد عن التشكل فيبهت كل شعاع وتنضب كل طاقة ويدخل المجتمع ليل التاريخ. يقول بن نبي: "وطالما ظل مجتمعنا عاجزاً عن تصفية هذه التركة السلبية التي أسقطته منذ ستة قرون، فإن سعيه إلى توازن جديد سيكون باطلاً وعديم الجدوى".
لذلك فما يحتاجه المجتمع بالدرجة الأولى هي العلوم الأخلاقية والنفسية، أما العلوم المادية فقد تكون، حسب بن نبي، "خطراً في مجتمع مازال يجهل أفراده حقيقة أنفسهم، ومعرفة إنسان الحضارة أشق كثيراً من صنع محرك أو ترويض قرد على استخدام ربطة عنق".
حين زار بن نبي دمشق استغرب من منظر جودت سعيد الذي يلبس عقالاً فوق الجاكيت، فقال ما خبرك؟ قال: ذكرتَ في كتاب "شروط النهضة" ذلك الذي اعتمر الطربوش، فقلتَ عنه إن الحضارة دخلت من حذائه ولم تصل بعد إلى رأسه، وأنا كذلك! وضحك الجميع.
لذا فالحضارة هي التخلص من تراث إنسان ما بعد الموحدين وبناء الإنسان، ولن يرتفع التخلف إلا بسياسات تضع الإنسان في مركز اهتماماتها وأعلى تقديراتها.
