تشكّل صفقة تبادل الأسرى بين حركة حماس و"إسرائيل" مثالاً كلاسيكياً آخر على حقيقة اللغة التي يفهمها الكيان الصهيوني، ويعجز عن الفهم بغيرها. فمن الواضح أنّه بدون استخدام القوة، لا مجال أمام آلاف الأسرى الفلسطينيين إلاّ الموت خلف قضبان السجن، حيث لم يكن هناك ثمة اعتبار لاتفاقيات "أوسلو"، التي وقّعتها "إسرائيل" مع منظمة التحرير، ولا لمئات اللقاءات الدافئة السرية والعلنية التي جمعت المفاوض الفلسطيني بنظرائه الصهاينة. فقد رفضت حكومات تل أبيب المتعاقبة الإفراج عن الأسرى كبادرة حسن نيّة تجاه المفاوض والشعب الفلسطيني، بل توسّعت في استخدام سياسة الاعتقال وإصدار الأحكام الجائرة بحق الفلسطينيين، وبشكل يفوق بكثير حجم التهم التي تدينهم بها محاكمها العسكرية. لكن ومع ذلك، فإنّ المقاومة الفلسطينية، وتحديداً حركة حماس، مطالبة بإبداء الحذر الشديد بعد إنجاز الصفقة، فما تقدّم لا يعني بحال من الأحوال عدم التسلّح بالحكمة في المرحلة القادمة، لا سيما في كل ما يتعلّق بعمليات المقاومة ضد الكيان الصهيوني، وعلى وجه الخصوص التي تنطلق من قطاع غزة. فالنخبة الحاكمة في "إسرائيل" تدرك دلالات الصفقة فلسطينياً، والمتمثّلة بشكل خاص في تعاظم شعبية حركة حماس، وهي تعي حجم الانتقادات التي وجهتها النخب الإسرائيلية للصفقة على اعتبار إنّها مثّلت "خنوعاً وخضوعاً" لما تسميه هذه النخب "الإرهاب"، وتعتبر أنّه قد أسهم في تآكل الردع في مواجهة المقاومة. لذا فإنّ النخب الحاكمة في تل أبيب ستكون أكثر حساسية لعمليات المقاومة المنطلقة من قطاع غزة بعد الصفقة، وستوظّفها في تسويغ الرد بقوة غير متكافئة على هذه العمليات، بغضّ النظر عن نتائجها. وهناك أساس للاعتقاد بأنّ الإسرائيليين سيحاولون توظيف ردودهم على عمليات المقاومة في المستقبل من أجل مراكمة الردع من جديد في مواجهة الفصائل الفلسطينية.
أهمية التنسيق مع المحيط العربي
إنّ الاستنتاج الذي يتوجّب على حركة حماس أن تصل إليه، يتمثّل بضرورة التخلّص من الطابع الثنائي للمواجهة مع "إسرائيل"، بحيث يتوجّب الحرص على محاولة ضمّ مكونات النظام العربي المتبلور بعد ثورة التحوّل الديمقراطي التي تعتمل في الوطن العربي، وهذا يتطلّب من حماس وغيرها من فصائل المقاومة الحرص على الاندماج في هذا النظام، على اعتبار أنّ هذا الإندماج يعمل على تقليص تغوّل "إسرائيل"، سيما وإنّه بات في حكم المؤكد أنّ تل أبيب تعي أنّه يتوجّب الأخذ بعين الاعتبار موقف الرأي العام العربي قبل القيام بأيّ خطوة تجاه الفلسطينيين، سيما في قطاع غزة. لكن من نافلة القول أنّ الاندماج في النظام المتبلور في الوطن العربي يستدعي من المقاومة أن تربط سلوكها تجاه "إسرائيل" بأكبر قدر من التنسيق مع محيطها العربي، سيما عمليات المقاومة، وهذا ما يستدعي بدوره مرونة وحكمة وعدم الوقوع في شرك الاستفزازات الإسرائيلية. صحيح أنّ أوضاع الدول العربية في أعقاب ثورات التحوّل الديمقراطي غير مستقرة وهناك الكثير من التحديات الداخلية التي تشغل الدول العربية، خاصة التي تخلّصت من الأنظمة الاستبدادية وتمرّ حالياً في مرحلة انتقالية، وعلى وجه الخصوص مصر، لكن هذا لا يمنع من أن تحرص المقاومة، خاصة حركة حماس التي تتولّى مقاليد الحكم في قطاع غزة، على بلورة سياستها تجاه "إسرائيل" على أساس أكبر قاعدة من التنسيق والتشاور مع المحيط العربي، حتى لا تتمكّن النخب الحاكمة في عهد ما بعد ثورات التحوّل الديمقراطي من التملّص من واجباتها تجاه الشعب الفلسطيني، حيث أنّ ذلك سيكون عسيراً في ظلّ وجود رأي عام عربي يقظ ومستنفر.
أهمية المصالحة
إنّ كل الدلائل تشير إلى أنّ الرئيس محمود عباس لم يتّخذ قراراً بتحقيق المصالحة الوطنية وإنهاء حالة الإنقسام الداخلي، بدليل أنّه يماطل في تطبيق ما تم التوافق عليه في اتفاق المصالحة الذي رعته الحكومة المصرية. فحتى بعد أن بات في حكم المؤكّد أنّه لا يوجد أيّ فرصة للتوصّل لأيذ تسوية سياسية للصراع، في ظل المواقف الصهيونية الرافضة لوقف الاستيطان والتهويد وإصرار تل أبيب على عدم الاعتراف بمرجعيات المفاوضات التي يفترض أن تضمن الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، كما تطرحها السلطة. رغم كل ذلك، إلاّ أنّ عباس لا زال يراهن على العلاقة والتنسيق مع الولايات المتحدة وأوروبا، وهي العلاقة التي يرى أنّها ستتضرر كثيراً في حال تم تطبيق اتفاق المصالحة الذي يفسح المجال أمام شراكة سياسية حقيقية مع حركة حماس. ومع ذلك فإنّ هامش المناورة المتاح أمام عباس وسلطته وحركة فتح بات ضيقاً إلى حد كبير، وهذا ما عكسته حالة الحرج التي ألمّت بالسلطة وقيادتها في أعقاب تنفيذ صفقة تبادل الأسرى، التي جعلت الفلسطينيين يطرحون التساؤلات حول جدوى مواصلة عباس التعلّق بخيار التسوية، والتضحية بالوحدة الوطنية لمجرد الرهان على عوائد الانفتاح على العالم الخارجي. من هنا يتبقّى أمام الرئيس عباس طريقان لا ثالث لهما، فإمّا إنجاز المصالحة، بما يسمح بإعادة ترتيب البيت الفلسطيني على أسس مغايرة، وإمّا المخاطرة بانهيار صدقيته أمام الجمهور الفلسطيني بشكل تام.
لكن إنجاز المصالحة يجب ألاّ يكون مصلحة عباس وحده، بل هذه مصلحة كل الفرقاء في الساحة الفلسطينية، سيما حركة حماس، على اعتبار أنّ وحدة الصف الفلسطيني تقلّص من قدرة "إسرائيل" على الاستغوال من جهة، وتنزع الذرائع من أيدي الأنظمة العربية للتحلل من مسؤولياتها تجاه الشعب الفلسطيني. إنّ هذا يستدعي التوقّف عن التلاسن وكيل التهم لهذا الطرف أو ذاك. إنّ حركة حماس مطالبة الآن وأكثر من أيّ وقت مضى بمساعدة الرئيس عباس على اتّخاذ القرار الصحيح بتطبيق ما تمّ التوافق عليه في اتفاق المصالحة، وتوظيف أصداء صفقة التبادل المباركة للتقارب وليس للتنافر.


