الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:42 م

مقالات وآراء

استراتيجية الأمل

حجم الخط

 

القيادة الناجحة هي القيادة التي تبث الأمل في النفوس وتُقدّم المستقبل مشرقًا من بين الركام والمعاناة. والاستراتيجية الناجحة تلك التي تهدم اليأس، وتبنى على قواعد ثابتة من الأمل في الأمة، فمن قال هلك الناس فهو أهلكهم. ومن زرع الأمل حصد الثمر ولو بعد حين.
 
استراتيجية الأمل ليست وليدة الحركة الإسلامية المعاصرة، بل هي جزء من ميراث الأمة، فقد خاطب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المحاصرين في شِعب أبي طالب قائلاً لهم في ظل معاناتهم القاسية وأكلهم ورق الأشجار جوعًا: لينصرن الله هذا الدين حتى تسير الظعينة من الحِيرة إلى بيت الله الحرام لا تخشى أحدًا.
 
وقال لسراقة بن مالك وهو في طريق الهجرة: ارجع ولك سواري كسرى، وقال لأصحابه في الخندق وهم خائفون: فتحت مدائن كسرى، فكان لهذا الأمل العريض الذي بثته القيادة في نفوس المحاصرين، والخائفين الأثر الكبير في تحقيق النصر وبلوغ السيادة في العالم.
 
استراتيجية الأمل لا يدرك قيمتها إلا متوكل مؤمن، ويجدر بالحركة الإسلامية المعاصرة أن تُعمّق هذه الاستراتيجية في خطابها وتنشره في العواصم والأتباع، ففي الأمة العربية والإسلامية خير كثير، وستبقى الخيرية قائمة فيها ما أقامت الإيمان، وزرعت الأمل في المستقبل.
 
لقد بنت المقاومة الفلسطينية استراتيجيتها على إحياء الخيرية في الأمة، وعلى بث الأمل بالنصر وتحرير الأرض والإنسان، وأحسب أنها مُحقّة في استراتيجيتها، لأن البديل عنها هو اليأس والقنوط ثم الهزيمة والذلة.
 
ماذا تقرأ في صفقة تبادل الأسرى؟ القراءات متعددة والدروس كثيرة، ولكن أولى الدروس بالتذكير ما يقول لو لم تَبْنِ حركة حماس على (الأمل) بتحرير الأسرى من خلال عملية خطف جلعاد، ما كان الخطف أصلاً، وما كانت المبادلة الناجحة اليوم حقيقة تمشي على الأرض.
 
الأمل في توفيق الله، والأمل في المستقبل، والأمل في تحرير الأسرى. هو الذي خطط، وهو الذي نفذ، وهو الذي فاوض، وهو الذي أخرج المؤبدات.
 
اليائسون المرجفون قالوا كلامًا كثيرًا محبطًا على مدى سنوات الأسر الخمسة، قالوا لن تفرج (إسرائيل) عن المؤبدات، (وكويس) إذا أفرجت عن الجثث وبعض المحكومين المنتهية أحكامهم وبعض النساء؟! وقالوا غدًا تكتشفه المخابرات الإسرائيلية وتقتله ومن معه وتنتهي القصة، قالوا كثيرًا مما أوحت به شياطين الإنس والجن، وقدموا المستقبل مظلمًا بلا أمل، وعتمة بلا ضياء، ولكن إرجافهم لم يفتّ في عضد استراتيجية الأمل التي قامت عليها عملية (الوهم المتبدد) وصفقة (وفاء الأحرار)، فكان هذا الإنجاز الكبير ترجمة عملية صادقة وقوية لاستراتيجية الأمل، وللقيادة الكبيرة التي نشرت الأمل في النفوس وفي البيوت وفي الزنازين.
 
اليوم وقد ذل اليأس، وسقط الإرجاف، نحن في حاجة إلى قيادة تبث الأمل في التحرير، والأمل في استرجاع المسجد الأقصى، والأمل بتحرير من تبقى من الأسرى وهم 5200 أسير فلسطيني صابر على المعاناة. أملنا في الله كبير، فقد بدأ عصر التحرير والنصر.