يغلي العالم العربي اليوم كمرجل ولكن هل سيصل إلى الحرية؟ دعونا نتفاءل ولنستعد للأسوأ ولنقرأ صفحات التاريخ؟ فقد تحررت فيتنام من أميركا بتكلفة ثلاثة ملايين قتيل ونيف، ولكن الهند تحررت أيضاً من بريطانيا على يد غاندي بأعداد لا تذكر. وهكذا فلكل شعب طريقته في الخلاص، والفرق بين الجراح النطاسي والفاشل هو في مقدار نزف المريض في العملية الجراحية؛ فأما نجا أو مات وهلك.
وفي الحرب الأهلية اللبنانية مات مئة ألف أو يزيدون ورجعوا إلى ما دون نقطة الصفر. وتحررت أفغانستان من السوفييت بمليون ونصف مليون قتيل وسبعة ملايين ونصف مليون لاجئ ولكنها خرجت من جيب السوفييت لتدخل جيب الأميركيين. وفي العالم العربي زلزلت الأرض زلزالها بانقلابات عسكرية تحت دعوى الحرية والعدل والتخلص من الاستعمار و"أذنابه" فلم تحصد الشعوب إلا استبداداً وفقراً وذلاً، مما فجر الربيع العربي بثورة في نصف درزن من الحكومات والحبل على الغارب.
وتحررت "البوسنة" شبه تحرر بعد شلال من الدماء ومقتل مائتي ألف وفرار ثلاثة ملايين، وفي اتفاقية "دايتون" اعتبر "علي عزت بيجو فيتش" أن هذا أفضل ما استطاع الوصول إليه. وإذا كانت الثورة الإيرانية قد نجحت وتحررت من قبضة الشاه و"السافاك" بمقتل ثمانين ألفاً؛ فإن الحرب مع العراق كلفت نصف مليون ولم تحقق أهدافها.
إن الصعود يحتاج إلى طاقة ولكن الهبوط لا يحتاج قط إلى ذلك. يكفي أن تتركه ليسقط من تلقاء نفسه. إن غرائز الغابة ترجع إلى الأرض، وإن الروح صعود إلى الأعلى من حيث جاءت منه.
وفي يوغسلافيا تخلصت صربيا من الطاغية "ميلوسوفيتش" بدون انقلاب عسكري وإعدامات ميدانية. ثم أصبح مكتوف اليدين يحاكم في لاهاي ثم شهق فمات هناك. وفي رومانيا قطعت رقبة التنين "تشاوسيسكو" الذي كان يبني قصر الشعب مزيناً بوابته بـ 400 كج من الذهب الخالص وهو ابن الإسكافي.
وفي الثورة الفرنسية قطعت على المقصلة رؤوس الطبقة الأرستقراطية تترى بدون رحمة بمن فيهم العلماء مثل "لافوازيية" أبو الكيمياء الحديثة و"كوندورسييه" عالم الاجتماع الشهير.
واستسلمت اليابان بدون قيد أو شرط بعد أن ضربت بالسلاح النووي، ولم تحرر نفسها هي وألمانيا بانقلاب عسكري محمول على ظهور الدبابات في غبش الفجر أو بحرب تحرير شعبية. وكلتا الدولتين اليوم عملاقان اقتصاديان بدون سلاح وجيوش جرارة.
وإذا كانت ألمانيا واليابان قد صعدتا بدون قوة فقد انهار الاتحاد السوفييتي صريعاً على الجنب بدون هجوم خارجي مع كل القوة، وهو يملك ثلاثين ألف رأس نووي و40 مليون طن من الأسلحة الكيمياوية بما يمكن أن يدمر الكرة الأرضية خمس مرات. فكلها دروس من التاريخ الحديث لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وفي العالم العربي قد تشتري دولة أسلحة متطورة بقيمة تزيد عن مليار دولار بما لا تستطيع استخدامه و صيانته فضلاً عن تطويره، لتتحول بعد عقد من السنوات "خردة" لا فائدة منها.
ولكن، ترى ماهي الحرية تحديداً وما هو التحرر؟ إن هذه المشكلة الإنسانية جاء من أجلها الأنبياء وقام بتفكيكها الفلاسفة. إن الحرية هي ثلاث حريات: التخلص من استعمار خارجي. والتخلص من طاغية داخلي. وقبل هذا الحرية من الاستعداد للذل في أي شكل. أي التخلص من القابلية للعبودية. وهي تتدرج من الأسهل إلى الأصعب. فأسهلها محاربة العدو الخارجي وأصعبها التخلص من الديكتاتورية الداخلية، وأعقدها هي ولادة الإنسان الجديد محرراً من علاقات القوة غير العادلة.
