أحزان الأحد الدامي وضعتنا فى مأزق التعارض بين صوت العقل وصوت الضمير. لا أعرف عدد الذين يشاركونني هذا الشعور، لكني أتحدث عن نفسي على الأقل مسجلا حيرتي إزاء استحقاقات النداءين، ذلك أنني أعتبر نفسي أحد الذين يعتبرون الاصطفاف وراء المجلس العسكرى ضرورة وطنية فى المرحلة الراهنة. وأضع أكثر من خط تحت الكلمتين الأخيرتين، لكي أضفي صفة التأقيت على ذلك الاصطفاف الذى أدعو إليه. ولكي يكون واضحا فى الأذهان أن الالتفاف حول المجلس العسكري يجب أن يستمر إلى أن يسلم السلطة لمن يختارهم الشعب بديلا مدنيا يقود سفينة الوطن إلى بر الأمان.
لا أخفي شعورا بالامتنان والتقدر للدور الذى قام به المجلس، منذ اللحظة التى أعلن فيها انحيازه إلى مطالب الشعب وثورته. ولن ينسى له أنه بموقفه ذاك أنقذ مصر وشعبها من كارثة التوريث التى كانت تنسج خيوطها منذ سنوات وشارفت بلوغ التمام. بل أنقذ الوطن من براثن العصابة التى اختطفته طوال ثلاثين عاما، وراحت تعتصره وتفترسه لكى تستأثر بأفضل ما فيه.
من ناحية ثانية، فإنني لا أرى فيما هو قائم بديلا عن المجلس العسكري، وأزعم أن بقاءه بصورته الراهنة وحتى قيام السلطة المدنية المنتخبة، يظل أفضل بكثير من الصياغات البديلة التى يتداولها البعض منذ عدة أشهر، لسبب جوهري هو أن النظام السابق بعدما قوض خلايا المجتمع الحية حتى أمات السياسة، فإنه طمس معالم الخريطة السياسية للبلد، بحيث لم نعد نعرف من يمثل ماذا، وحتى أصبح الحضور فى الساحة السياسية بعد ثورة 25 يناير قائما على علو الصوت الذى تكفل به الضجيج الإعلامى، إذ صرنا إزاء كيانات ولافتات تملأ الفضاء فى حين لا أثر يذكر لها فى الشارع. وضجيج من ذلك القبيل يصلح لإطلاق مظاهرة وربما حشد مليونية لكنه لا يصلح لإقامة دولة.
أدري أن شعبية المجلس العسكرى تراجعت بصورة نسبية ولم تعد كما كانت عليها منذ ثمانية أشهر، خصوصا أنه حُمِّل بأوزار وآثار النظام السابق، وما كان بمقدوره أن ينهض بكل أعباء التركة الثقيلة التى ورثها. ولكننى أتحدث عن التحول الجوهري والاستراتيجي الذى يحسب له غير غافل عن الأخطاء «التكتيكية» التى وقع فيها، والتى اعتبرها دون ذلك التحول مرتبة وأهمية. علما بأن نسبة غير قليلة من تلك الأخطاء وقعت بعدما طالت مدة بقائه فى السلطة، استجابة لضغوط ومطالبات الجماعات السياسية التى اعتبرت الاحتكام إلى الشارع تهديدا لوجودها؛ الأمر الذى يعني أن بعض الأخطاء التى وقعت إبان إطالة المدة لا يتحمل مسؤوليتها المجلس العسكري وحده، ولكن تلك الجماعات السياسية شريكة فى تلك المسؤولية.
هذه حسابات العقل البارد التى اهتزت عندي يوم الأحد الدامي (9 أكتوبر الحالي).. وكان صوت الضمير هو الذي أحدث تلك الهزة، التى لا أستطيع أن أتجاهلها أو أقاومها. لقد تحولت الصور التى رأيتها لضحايا هجمة المدرعات على المتظاهرين في ذلك اليوم. وكذلك القصص والروايات المروعة التي سمعتها على ألسنة أهاليهم إلى سياط تلهب الضمير وتعذبه، أما أصوات الملتاعين ونحيبهم فقد كانت من النوع الذى يمزق نياط القلب ويصيب الإنسان بزلزلة تسحق إرادته وتلاحقه بأصدائها السوداء فى الصحو والمنام.
لن أختلف مع من يقول بأن ما رأيناه وسمعناه وقرأناه يعبر عن وجهة نظر واحدة، وأن وجهة النظر الأخرى لم تسمع، كما أن هناك تحقيقات جارية لم تنته بعد. ذلك أفهمه وأقدره، لكنني أزعم أن الذى جرى ما كان له أن يقع تحت أي ظرف. إذ ما تمنينا أن تطيح المدرعات بأي إنسان مهما كان جنسه أو ملته وتدهسه بالصورة البشعة التى طالعناها فى التسجيلات، وما تمنينا أن يتم ذلك بمدرعات الجيش بوجه أخص. وإذا كنا قد عهدناه من جانب أجهزة القمع فى ظل النظام السابق، فإنه يصدمنا ويفجعنا حين يصدر عن الجيش بمكانته العزيزة علينا وهالة المحبة والفخار التى درجنا على أن نحيطه بها. وهي المشاعر الدافئة التى تضاعفت بعد موقفه المشرف من الثورة.
لقد أصبحنا إزاء معادلة صعبة يختزلها السؤال التالي: كيف يستطيع المرء أن يستجيب لنداء عقله ويرضي ضميره فى نفس الوقت؟ أعنى كيف يمكن أن يظل المرء متضامنا مع المجلس العسكري ومحتفظا بسخطه واحتجاجه على ما نسب إليه من ممارسات؟ فى هذا الصدد لا مفر من الاعتراف بأن الحفاظ على التوازن بين كفتي التضامن والسخط ليس بمقدور كل أحد. وإذا كنت قد اعتبرتها من جانبي معادلة صعبة، فينبغي أن تعذر الشباب إذا ما ضاقت صدورهم إزاء الهول الذى رأوه وسمعوه، فاستبد بهم السخط وما عادوا قادرين على كتمان غضبهم، الأمر الذى أنساهم النصف الملآن من الكوب. لا أعرف ما إذا كان المجلس العسكري مدركا لذلك التحول أم لا، لكنني لا أخفى أننى صرت أعيشه كل يوم ليس فقط فيما أتلقاه من اتصالات ورسائل، وإنما أيضا لأن أصداءه وصلت إلى أسرتي وصارت تعشش فى بيتي.
