ينقل عن الفيلسوف الفرنسي "روسو" قوله إن "القوة لاتصنع الحق"، فهل كان مصيباً في ذلك؟ وهل في ذلك القول ما يجلب العزاء للشعب السوري في مواجهة القمع؟
ينقل لنا التاريخ عكس هذه المقولة، ومن ذلك أن هنري الثامن في بريطانيا أسس كنيسته بالسيف، حيث طارت رؤوس أربع زوجات، من أصل ست، بالبلطة. وحكمت إليزابيث الأولى ثم فيكتوريا، وصولاً إلى إليزابيث الثانية، بنفس التاج الدموي لهنري! ولم تنتشر البوذية من الهند إلى اليابان لولا الملك أشوكا. وانتصر الإسبان ولغتهم في أميركا الوسطى والجنوبية بعد إهلاك ثمانين مليوناً من الأنام، فانتشرت الكثلكة والصليب، وماتت حضارة الآنكا والأزتيك بحد السيف على يدي فيرناندو وكورتيس والبيزارو.
وفي فرنسا تم ذبح كل الهوجنوت في عيد القديس برتيليميوس، وألقيت جثثهم في السين، وتعقمت فرنسا من اللوثرية ومازالت. كذلك فعل الجزار الصربي في البوسنة وفي مذبحة سبرينتشا التي تمت بموافقة الهولنديين فكانت مقبرة لم يشهد لها العالم مثيلًا منذ الحرب العالمية الثانية. وتم تطهير حضارة أميركا من أي أثر للهنود الحمر، الذين صادهم المهاجرون الأوربيون بالبنادق مثل العصافير، حيث ماتت ثقافة كاملة ولم يبق منها إلا حفنات من الراقصين بريش على الرؤوس. وفي إسبانيا اكتملت حركة الاسترداد، وقضي على الموريسكيين فلم يبق من المساجد إلا المحاريب تبكي وهي عيدان.
وانتصرت الدولة الصفوية، وامتد التشيع إلى المسجد الأموي في دمشق، حيث يراهن الأسد حالياً على تصفية الاعتراضات بآلة القتل الجهنمية، وقد ينجح كما نجح أبوه عام 1982 في ذبح أربعين ألف نسمة والعالم يتفرج ببلاهة، بل قد يقتل الابن هذه المرة أربعمئة ألف، ويتابع الركوب على ظهور العباد قائداً أبدياً!
ينبغي إعادة النظر في جدلية الحق والقوة، فهي قد تستقيم إذا تحدثنا عن مواجهة بين قوة عارية من دون فكرة داعمة، كما في نموذج أتيلا والهون والمغول الذين أبادوا الحضارات على جبال من الجماجم قبل أن يعتنقوا دين المغلوب. كما أن العكس قد يحدث، فهناك أفكار جيدة طمرت كما المسيحية في اليابان، والطاوية في الصين مقابل انتشار الكونفوشيوسية مدعومة بالإمبراطور. ويبدو ذلك أيضا في انتشار المذاهب الإسلامية، فمن أصل 13 مجتهداً كبيراً في العالم الإسلامي لم تنتشر سوى مذاهب أربعة منهم فقط.
وفي ألمانيا انتشرت اللوثرية التي قادت إلى حرب الثلاثين عاماً ورسخت البروتستانتية التي اعتبرها ماكس فيبر روح الرأسمالية.
وفي التراث الإسلامي إن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن. وينص القرآن على قانون التدافع لحماية الرأي كي لا تكون فتنة، وهو أمر اختلط لدى البعض بمفهوم الجهاد، لذلك وجب فك الارتباط.
وقد استفدنا من الجزائري مالك بنبي تفصيله عن الفرق بين فعالية الفكرة وصدقها، فلا يشترط لصدق فكرة ما أن تكون فعالة، والعكس كذلك؛ فقد تنتشر فكرة غير صادقة لوجود فعالية لنشرها. إن بعض الأفكار، مهما بلغ سخفها، قد تنتشر ويجتمع حولها الناس إذا توافر الناشطون والمال والسلطة وضعفت المقاومة.
