الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 08:56 ص

مقالات وآراء

إغتيال العولقى ودعم صالح !!

حجم الخط

من حيث المبدأ فإن أمريكا لا يمكن أن تكون صديقةً للثورات العربية الشعبية مهما أظهرت من تأييد إعلامي ودبلوماسي..لأن هذه الثورات من شأنها أن تأتي بحكام أكثر تعبيراً عن آمال شعوبهم وتطلعاتها والتي لن تتوافق دائماً مع مطامع أمريكا في الهيمنة، لذلك فإن الأنظمة الاستبدادية هي أقرب إلى الدعم الأمريكي من الثورات العربية فكون هذه الأنظمة معزولةً عن شعوبها يوفر فرصةً ثمينة لأمريكا لابتزازها واستعمالها في الوصول إلى مآربها..

 

هذه حقيقة مبدئية سواءً كانت هناك أدلة مادية تساندها أو لم تكن، ومع ذلك فإن ما يرشح من مواقف وتصريحات أمريكية بين الحين والآخر يؤكدها ويظهر ما تحاول أمريكا إخفاءه حين تزعم بأنها تدعم تطلعات الشعوب إلى الحرية والديمقراطية..

 

الصمت وحده كاف لإثبات هذه الحقيقة فكل الدماء التي أريقت في سوريا حتى الآن وكل الجرائم التي فاقت في فظاعتها بمراحل ما ارتكبه القذافي قبل أن يتدخل الناتو في ليبيا، لم تنجح في إنضاج موقف غربي جاد لإسقاط نظام بشار الأسد، ولم نسمع حتى اللحظة تصريحات كافية تطالب بشار بالرحيل الفوري عن الحكم باستثناء بعض الإشارات المتفرقة والضعيفة والتي تؤكد القاعدة ولا تنفيها..

 

وعبثاً ضاعت أصوات الشعب السوري الطيب وهو يظن أن هذا الغرب أخلاقي في مواقفه تجاه الأنظمة العربية فحاول المتظاهرون استثارة ضميره في جمعة أسموها جمعة الحماية الدولية، ولكن كان مثلهم كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه..

 

حتى لا نذهب بعيداً عن عنوان المقالة نتوجه إلى اليمن التي تشهد منذ ثمانية أشهر مجازر متواصلة من قبل النظام بحق أبناء شعبه من المتظاهرين السلميين، ومع كل هذه المجازر لم نر أي ضغط حقيقي من قبل الدول الغربية على النظام اليمني للرحيل، اللهم إلا بما تقتضيه متطلبات الحديث الإعلامي بين الحين والآخر..

 

أخيراً وفي توقيت يثير العديد من علامات الاستفهام أعلن أوباما بأن قواته قد تمكنت من اغتيال القائد في تنظيم القاعدة أنور العولقي على أرض اليمن..وإعلان أوباما شخصياً يعني مزيداً من الزخم الإعلامي ولفت الأنظار لهذا الحادث، وفي معرض تعليقه أشاد أوباما بجهود اليمن في الوصول إلى العولقي..والمقصود طبعاً باليمن هنا هو اليمن الرسمي المتمثل في نظام على عبد الله صالح، وليس المتظاهرين في ساحات التغيير..

 

اغتيال العولقي في هذا التوقيت يعيد التذكير بأن اليمن هي موطن تترعرع فيه القاعدة ويواجه تحديات إرهابية، ويحجب عن الذاكرة حقيقة أن في اليمن شعباً حراً يتطلع إلى الحرية والكرامة والديمقراطية ويناضل منذ أشهر طويلة في سبيل استرداد كرامته..

 

بدون شك فقد نزل خبر اغتيال العولقي على قلب الرئيس اليمني برداً وسلاماً وربما ساهم في إطفاء شيء من حروق جسده، لأن هذا بالضبط هو ما يريده الرئيس اليمني وهو إشغال العالم عن حقيقة الثورة في بلاده وتسويق نفسه بأنه في حرب شرسة ضد الإرهاب والتطرف الذي يعاني منه العالم الحر..

 

الرئيس اليمني التقط الرسالة الأمريكية سريعاً فسارع إلى التصريح في نفس اليوم وياللمصادفة بأنه إذا ترك السلطة فإن القاعدة هي التي ستحكم بلاده وستسلمها بعد ذلك إلى الإخوان إلى غير ذلك من التخاريف..

 

النظام اليمني يسعى جاهداً منذ اندلاع الثورة المباركة بكل ما أوتي من جهد ووسيلة إلى دفع شباب الثورة إلى حمل السلاح وعسكرة هذه الثورة لتغرق اليمن في بحر من الدماء يساعده على البقاء واسترداد عافيته ويوجد له المبرر للقتل وسفك الدماء، لكن وعي شباب اليمن التي شهد لها النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالحكمة كان بالمرصاد لكل هذه المحاولات..

 

اليوم تأتي رسالة الدعم الأمريكية لعلي عبد الله لتسحب البساط من تحت أقدام هؤلاء الشباب الأطهار وتسوق اليمن بأنها مأوىً للإرهاب وللنزاعات..

 

أمريكا تخشى من نجاح الثورات العربية عموماً، وفي اليمن فإن أحد أسباب خشيتها من نجاح الثورة هناك هو انتقال هذه العدوى المباركة إلى بلاد الحرمين وما يعنيه ذلك من فقدانها لأهم وأقوى حليف اقتصادي و استراتيجي لها في منطقة الخليج وربما في المنطقة العربية كلها، ويبدو أن النظام السعودي قد نجح قد التقى مع الإدارة الأمريكية في ضرورة دعم نظام علي عبد الله صالح ومساعدته على البقاء.

 

ليس غريباً أن تسعى الإدارة الأمريكية بما تمتلكه من حيل للحيلولة دون انتصار الحرية في بلادنا العربية، ولكن الغريب حقاً أن يكون بيننا من لا يزال يظن حتى اليوم بأن أمريكا هي صديقة لثوراتنا وحريصة على تحريرنا من أنظمة الاستبداد..

 

والله أعلم..