لقد رفع الله سبحانه وتعالى لسيدنا محمد ذكره في العالمين، فأقر له بكمال السيرة والخلق العظيم، بعد القرآن، كثير من خلق الله حتى أهل الغرب من غير المسلمين فجاء في وصفه على لسان بعض علمائهم كمارسيل بوازار (عالم تاريخ فرنسي): «لم يكن محمد على الصعيد التاريخي مبشرا بدين وحسب، بل كان كذلك مؤسس سياسة غيرت مجرى التاريخ».
أما أرنولد توينبي (مؤرخ بريطاني) فقال: «لقد أخذت سيرة الرسول العربي بألباب أتباعه وسمت شخصيته لديهم إلى أعلى عليين فآمنوا برسالته».
وقال الدكتورم.ج. دارواني (كان نصرانيا ثم أسلم): «أستطيع أن أقول بكل قوة إنه لا يوجد مسلم جديد واحد لا يحمل في نفسه العرفان بالجميل لسيدنا محمد».
وأضاف جاك ريسلر (مؤرخ بريطاني): «يجب أن نعترف أن محمدا يظل في عداد أعظم الرجال الذين شرف بهم تاريخ الشعوب والأديان».
وهذا القدر أرفع وأخص عند المسلمين، فالرسول صلى الله عليه وسلم أحب الى المسلمين من أنفسهم وأموالهم وأهليهم والناس أجمعين، فهو مبعوث رب العالمين لهدايتهم وإخراجهم من الظلمات الى النور وهو شفيعهم وفرطهم الى الجنة، وحبه وإيثاره من علامات محبة الله واكتمال الإيمان. ولقد حذر الله المسلمين أن يؤثروا شيئا من الدنيا على محبة الرسول ولزوم سنته، بل قد يكون من معاني سورة البراءة (التوبة) التي وردت فيها هذه الآيات أن الله بريء ممن لا يقدم رسول الله وأمره على كل ما دونهما «ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين».
لذا؛ فإن مس مقام النبي إن لم يدخله الفقهاء بالخروج من ربقة الإسلام التي تستوجب الاستتابة، فهو بالتأكيد جريمة كبرى لا يمكن السكوت أو التغاضي عنها أو اعتبارها زلة لسان أو خطأ يمسحه اعتذار غير صادق، ولقد قام المسلمون قومة رجل واحد عندما تعرض الرسام الدنماركي لرسول الله بأكثر من مجرد الغضب والإدانة، ودفّعوا الدنمارك شعبا وحكومة ثمنا غاليا لما اقترفوه بالمادة والمال الذي يوجعهم كدولة رأسمالية، بل إن أردوغان لم يوافق أن تتولى الدنمارك رئاسة حلف شمال الأطلسي الا بعد اعتذارهم عن قضية الرسوم المسيئة، وفي هذه الحادثة ظهرت قوة المسلمين المستضعفين، وعرف العالم أننا نسكت ونرضخ لكثير من الهوان المحلي والعالمي، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا خط أحمر دونه نفوسنا ودماؤنا.
وقد كان هذا الرد على غير المسلمين ممن يجهلون ولا يعلمون، فكيف بالمسلمين ممن شهدوا أن لا إله الا الله محمد رسول الله. إن الخطيئة التي يرتكبها المسلمون في حق نبيهم لا يمكن التسامح أو التساهل معها، وللأمة والسلطة حق التعزير حتى إن حصلت التوبة.
إن ما تفوه به ذلك الشخص المعروف بنقيب المحامين، من أن صفات القاضي العادل لا يمكن أن تتوفر حتى في النبي، إهانة لنا جميعا في قلب عقيدتنا لا يمكن قبولها أو قبول أسف قولي أو كتابي عليها، إن ما تفوه به له مثيله في السيرة وله وصفه وحُكم النبي عليه فقد جاءه رجل من المنافقين وهو يقسم قسما فقال له: «يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ! فَقَالَ: (وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ) فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: «دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ».
إطالة اللسان على الفاسدين فيها حبس وغرامة، وإطالة اللسان على النبي العربي الهاشمي ما عقوبتها في قانون وضعي يحامي ويحتكم إليه محامون يقودهم نقيب يتعدى على الأنبياء؟!
لقد مدح أحمد شوقي رسول الله صادقا فقال:
وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء
وإذا غضبت فإنما هي غضبة في الحق لا ضغن ولا بغضاء
وإذا عفوت فقادرا ومقدرا لا يستهين بعفوك الجهلاء
وإذا قضيت فلا ارتياب كأنما جاء الخصوم من السماء قضاء
فهل سيغضب أهل الأردن لنبيهم أم قلوبنا قد ران عليها؟!

