الثلاثاء 27 يناير 2026 الساعة 04:44 ص

مقالات وآراء

أجيبوهم!

حجم الخط

في الوقت الذي نتنكر فيه نحن العرب للتاريخ، ونعيد كتابة مناهجنا -لأننا نرى تاريخنا عبأ يثقل ذاكرتنا وكاهلنا في مواجهة واقع ينضح بالهزائم والخيبات، فنلجأ لفن الممكن ومنطق أقل الخسائر، ومبدأ أن لا عداوة مطلقة-؛ يتمسك الصهاينة بتاريخهم سواء أكان حقائق، وما أقلها، أو أساطير، وما أكثرها، ويذكرون صحائفهم السوداء أكثر مما يذكرون انجازاتهم، فالأيام عندهم دول والخاسر لا يظل خاسرا أبدا، ولو كانوا يرضخون للأمر الواقع لما أقاموا كيانهم المصطنع وأمسكوا بحبائل السياسة والاقتصاد العالمي، ولظلوا شرذمة طريدة تزدريهم أوروبا وتحصرهم في معسكرات ومخيمات.

 

يذكر الصهاينة صلاح الدين الأيوبي ولا ينسونه، يذكرونه كشخص ورمز وكتاريخ وسياسة يدرسونه في معاهدهم، ويدرسون كيف يطمسون شخصه وإرثه في الذاكرة العربية المسلمة؛ لأنهم يعلمون أن حياة صلاح الدين في العرب بمثابة قنبلة موقوته تنتظر الانفجار في وجوههم ووجودهم ولو بعد حين، وما قيام بعض المستوطنين بكتابة عبارات "أرض إسرائيل هي هنا يا صلاح" بالعربية والعبرية على مداخل المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة الا دلالة أنهم لم ينسوا الفتح الصلاحي الذي جاء بعد إعداد سنوات لينقل الأمة من حالة الخور والضعف الذي استطال مئات السنين تحت حكم الصليبيين الى حالة التمكين والعزة.

 

وبالرغم أنهم يملكون القوة على الأرض إلا أنهم يخافون قوة الرمز والتاريخ وإمكانية أن يعيد التاريخ نفسه في الأجيال القادمة، فيكون حالهم حال الصليبيين الذين لفظتهم فلسطين بعد أكثر من مئة عام ولغوا فيها في الدماء والأعراض والمقدسات.

 

في تاريخنا وتاريخهم فعل الجنرال غورو ما فعل الصهاينة، فجاء محملا بتاريخه حيا مشتعلا حاقدا فأسرع الى قبر صلاح الدين في دمشق بعد احتلالها وقال: "لقد عدنا يا صلاح الدين" إدراكا منه أن صلاحا ليس فردا مات وعفا عليه الزمن، وإنما مارد يتفلت ليخرج من قمقم الخذلان ويستعيد ما كان.

 

الصهاينة لا يخوضون حروبهم عرايا من بقية عقيدة وتاريخ،على زيفهما، بل يدركون أن الصراع صراع تاريخي وحضاري ليس وليد لحظة، صراع وجود لا صراع حدود، تغذيه أحلامهم بإسرائيل الكبرى وعلو شعب الله المختار، بينما يُنظر لمن يطالبون بفلسطين التاريخية محررة من بحرها الى نهرها شزر، وكأنهم سذج حالمون برومانسية خارج إطار الزمان والمكان، وتُسوق لنا دويلة فلسطين على أنها الفتح القادم والانجاز الأعظم وما لم يستطعه الأولون!

 

غير أن صلاح الدين وجد حفيدا في الشيخ رائد صلاح، وأحفادا في الحركة الإسلامية في أراضي 48 الذين يقودون معركة شرسة مع الاحتلال للتمسك والحفاظ على الأرض والهوية الفلسطينية، بالرغم من محاولات التضييق والتهويد والحصار والتمييز التي تلاحقهم حتى خارج فلسطين، وما اعتقال الشيخ صلاح في بريطانيا تمهيدا لترحيله الذي ثبت عدم قانونيته الا حلقة ستستمر وتتوسع، عله وعلهم يملون ويستسلمون كما استسلم غيرهم وفرطوا.

 

يوم اعتلى أبو سفيان بمنطق المنتصر جبل أحد بعد هزيمة المسلمين صرخ بشعار المستقوي "اعل هبل" فتعالى المصطفى صلى الله عليه وسلم على جراحات الجسد والنفس ولم يرض بالباطل حتى لو كان شعارا يطلق في الهواء فقال: "ألا تجيبونه، فقالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل. ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال عليه السلام: ألا تجيبونه؟ قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم، ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، فأجاب عمر وقال: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار".

إذن أفلا تجيبون أيها العرب والمسلمون؟!

 

قولوا لهم: باقون ما بقي الزعتر والزيتون، نعمل لوعد الآخرة "ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا".