الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 الساعة 07:22 ص

مقالات وآراء

ثورات العرب ونظرية السقوط لابن خلدون

حجم الخط

ما يحدث في بلادنا العربية قاطبة ما هو إلا نتاج لتراكمات ظلامية كثيرة وقديمة في الحكم والإدارة والسياسة، فقد كانت التراكمات منذ أن رحل الاستعمار الغربي بجيوشه وعتاده العسكري عن بلادنا العربية سوى فلسطين، لكن لم يرحل الفكر الغربي الاستعماري والسلطوي عن بلادنا العربية، حيث خلف الاستعمار وراءه رجالاً يؤمنون بمبادئه و يحمون مصالحه ويحققون أهدافه في السيطرة على ثروات ومقدرات عالمنا العربي، كما سيطر الاستعمار على الكثير من العقول في وطننا العربي عبر الثقافات التي نقلها لنا من خلال رحالات وأسفار المستشرقين والأوروبيين إلى بلاد العرب والانفتاح العالمي في ظل تكنولوجيا الاتصال الحديثة .

 

إن ما يحدث الآن من ثورات في بلادنا العربية ضد الأنظمة الاستعمارية الحاكمة يُمثل نتاجاً طبيعياً لمعالم وآثار الظلم والاستبداد والقهر الذي مارسته الأنظمة بحق شعوبها، كما عملت على سلب إرادة المواطن العربي ومصادرة حريته في العطاء والبناء والتطلع لمستقبل زاهر لوطنه وأبنائه، كما ركزت الأنظمة الحاكمة على قتل روح الإبداع والتطور العلمي والفكري للمواطن العربي، وحاربت العلماء والمفكرين وزجتهم بالسجون وسحقت علمهم ونفتهم إلى بلاد الغرب بعيدا عنها؛ فأسس علماؤنا العرب إمبراطوريات علمية شاهقة، وساهموا في بناء جامعات أكاديمية والشعوب في الغرب...

 

كما جعلت الأنظمة الحاكمة من المواطن العربي محطة للنوم والاتكالية والانهزامية، فقد تَعرض السلاح العربي - الذي كان لا يخرج إلا في الأعياد ومناسبات العرش الوطنية- للصدأ في المخازن وأكلته فئران الأرض ، فيما ساعدت الأنظمة العربية على انتشار المجون والخلاعة في بلادنا العربية، لشغل المواطن عن مجرد التفكير في همومه وأحلامه وتطلعاته المستقبلية، كما خلقت الأنظمة الحاكمة لدى المواطن العربي خلال سنوات حكمها البائد نفسية الرق والعبودية للملك والرئيس، مما جعل بعض الزعماء يؤلهون أنفسهم ويصنعون تماثيل لهم في شوارع العاصمة وطرقات المدن وصالات السينما والأفراح، وآخرين من الزعماء سلبوا عقول وعيون المواطنين عندما جعلوا المواطن يرى صورة الرئيس في كل مكان وخانة من خانات حياته البائسة؛ في المنزل عبر التلفاز، في محطات الأتوبيس والقطارات، في النوادي والمسارح وأماكن اللعب، فضلاً عن الهيئات والمؤسسات الحكومية التي جعلت من وضع صورة الرئيس قانوناً أساسياً من قوانين العمل في الهيئات الحكومية بل ويحضرون الصورة مع أثاث المكتب والوزارة.

 

لقد عملت الأنظمة العربية الحاكمة على مسح المعلومات الأساسية عن الوطن في عقول الكثيرين من أبنائه، فهناك الكثيرون لا يعرفون خارطة الوطن وأنهاره وجباله وسواحله وروافده، ولا يعرفون لخارطة الوطن رسمها ولا لونها ولا حدودها ولا مساحة هذا الوطن وخيراته الوفيرة وثرواته الطبيعية، فالكثير لا يعرفون عن الوطن سوى القليل من المعلومات، وقد تفاجئك معلومات خاطئة حول الوطن تنقلها لنا مؤسسات الوطن الرسمية لتشكل حالة من الضبابية في عقول المواطن عن وطنه.

 

أستحضر في مقالي هذا النظرية الشهيرة للعلامة العربي ابن خلدون في " سقوط وانهيار الأمم والحضارات"، فقد رأى " أن ترف الشعوب والانغماس في الشهوات والملذات، والعصبية وظلم الأفراد والجماعات، يؤدي إلى دمار وخراب الأمم"، كما حذر ابن خلدون من الخطر الكبير للترف والانغماس في الشهوات، قائلاً " إن الأخلاق الحاصلة من الحضارة والترف هي عين الفساد؛ لأن الإنسان إنما هو إنسان باقتداره على جلب منافعه ودفع مضاره واستقامة خلقه للسعي في ذلك "، كما وصف ابن خلدون حال أمتنا اليوم بالضبط وكأنه يعيش بيننا، مؤكداً على أن الدولة إذا امتلكت من غيرها أسرع إليها الفناء والهلاك، قائلاً: " إن الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء...

 

والسبب في ذلك والله أعلم ما يحصل في النفوس من الاتكال "، كما تحدث عن دور العصبية في وصول الملك إلى الرئاسة و السلطة في مجتمعه واعتماده على عصبيات أخرى لتوسيع قاعدة ملكه بحيث يصبح أغنى وأقوى من ذي قبل، بفضل توسيع قاعدة الضرائب من ناحية، والأموال التي تدرها الصناعات الحرفية في المجتمع، كما يلجأ الملك لتدعيم ملكه إلى تعويض القوة العسكرية التي كانت تقدمها له العصبية الخاصة أو العامة بإنشاء جيش من خارج عصبيته، وحتى من عناصر أجنبية عن قومه، كما يقوم الملك بإغراق رؤساء قبائل البادية بالأموال، ومنح الإقطاعيات كتعويض عن الامتيازات السياسية التي فقدوها، ومن هنا تقوى دولة الملك الجديدة وتبلغ ذروتها ومجدها حسب رأي ابن خلدون، ومن ثم تأخذ بالانحدار شيئاً فشيئاً...

 

حيث إن المال يبدأ في النفاد شيئا فشيئا بسبب كثرة الإنفاق على ملذات الحياة والترف والدعة عندها يزيد الحاكم في فرض الضرائب بشكل مجحف بحق المواطنين والناس، وترتفع الأسعار، ويضعف الإنتاج وتتراجع الزراعة ، وتنقص حركة التجارة، وتقل الصناعات، وتزداد النقمة، وبذلك يكون الحكم قد دخل مرحلة بداية النهاية، أي مرحلة الهرم التي ستنتهي حتما بزواله، كما يوضح لنا ابن خلدون أطوار ومراحل بناء الدولة في تطورها ونموها حيث تمر بخمسة أطوار : الأول طور الظفر بالبغية، والاستيلاء على الملك وانتزاعه من أيدي الدولة السالفة قبلها...

 

والثاني طور الاستبداد على قومه والانفراد دونهم بالملك وكبحهم عن التطاول للمساهمة والمشاركة، والثالث طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشر إليه من تحصيل المال وتخليد الآثار بعد الصيت، فسيتفرغ وسعه في الجباية وضبط الدخل والخرج، وإحصاء النفقات والقصد فيها، وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة، والأمصار المتسعة، والهياكل المرتفعة، هذا مع التوسعة على حاشيته في أحوالهم بالمال والجاه، والرابع طور القنوع والمسالمة ويكون صاحب الدولة في هذا قانعاً بما أولوه سلما لأنظاره من الملوك واقتتاله مقلداً للماضين من سلفه، والخامس هو طور الإسراف والتبذير في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه، واصطناع أخدان السوء وخضراء الدمن، ، مستفسداً لكبار الأولياء من قومه وصنائع سلفه، حتى يتخاذلوا عن نصرته ويبتعدوا عنه، مضيعاً من جنده الكثير الكثير بما أنفق من أعطياتهم في شهواته...

 

وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم، ويستولي عليها المرض المزمن وتبدأ بالانهيار وتسقط نهائيا وهذا ما مرت به الأنظمة العربية الحاكمة ..