قصة الأسير جلعاد شاليط عجيبة بما تثيره من عجائب وبما تكشف عنه من مفارقات، وهي وإن كانت بهذه المواصفات الكاشفة أحيانًا والساخرة أحيانًا أخرى إلا أنها تبقى مفيدة في إنضاج رأي عام فلسطيني واعٍ وراشد.
بالأمس الإثنين أرسل رئيس فرنسا (ساركوزي – تربية يهودية) رسالة إلى عائلة جلعاد الأسير يخاطبه فيها في الذكرى الخامسة والعشرين لميلاده ويقول فيها: "عزيزي جلعاد، فرنسا لا تنساك؟!! والعكس صحيح؟!! واعلم أننا قريبون منك جدًا في عيد ميلادك الحزين؟!! أدرك تمامًا أن لدي أعمق مشاعر المودة لك، وكن متأكدا أنني ملتزم التزامًا خاصًا بالإفراج عنك".
عجيبة هذه الرسالة في مضامينها واستعلائها. ساركوزي رئيس فرنسا الدولة النووية الاستعمارية العضو الدائم في الأمم المتحدة تتذكر الصهيوني الإسرائيلي جلعاد شاليط وتخاطبه بهذه الرقة في المشاعر وبهذه المسئولية الملتزمة بالإفراج عنه؟! فرنسا ساركوزي ترى الدنيا في شاليط، ولا ترى الشعب الفلسطيني كله!! أسرى فلسطين لا يراهم قادة فرنسا ولم يحتفل رئيس في العالم بذكرى ميلاد أحدهم أو ذكرى أسره. عجيبة دنيا ساركوزي بمعاييرها وأخلاقها ومشاعرها!! من لساركوزي؟ من له يعلمه المبادئ الإسلامية والأخلاق المحمدية؟! حسن المقادمة، ويحيى السنوار، وروحي مشتهى، وغيرهم أمضوا في الأسر (25 عامًا) أو قريبًا من ذلك، وهو مجموع عمر شاليط، ولم تذكرهم فرنسا، ولو من باب الإنسانية، وتتذكر شاليط برومانسية منافقة.
قتل امرئ في غاية جريمة لا تغتفر وقتل شعب كامل قضية فيها نظر، والأعجب من ذلك أنه لا يوجد رئيس عربي أو مسلم سجل التاريخ الحديث اسمه في أنه بعث برسالة مودة والتزام بالمسئولية لأيٍّ من أسرى فلسطين الذين هم شرف الأمة العربية والمسلمة. وأخلاق الإسلام وسنة نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – تتعجب كيف يبيت القائد، أو الأمة، وأسراها في الحديد. ومن هنا أوجب الفقهاء فداء الأسير بكل مال بيت المسلمين، فإن لم يف بالغرض أكمل الخليفة النقص من مال الأغنياء.
وبمناسبة فقه الأسير في الإسلام قرأت أن في التوراة فقهًا يوجب على الحاكم بذل مال الدولة، ومال الأغنياء، لفك الأسير اليهودي، فإن لم يف المال بالغرض باع التوراة لسد النقص. لقد توقفت عند القراءة متعجبًا، ومتسائلاً، إن كان هذا فقه التوراة ملزمًا للحاكم فلماذا عجز عن إلزام نتنياهو بمبادلة شاليط بألف من أسرى فلسطين ؟! إن عجز نتنياهو عن مبادلة الأسرى يكشف عن أنه ارتكب جريمة خيانة بحق التوراة، ورجل خائن وعاجز بحسب قول (ناعوم شاليط) لا يستحق أن يحكم (إسرائيل)؟!!
إن تقليب صفحات فقه الأسير في الإسلام، يكشف عن أن القيادة السياسية العربية والفلسطينية عاجزة وخائنة للأسير، وإن نتنياهو كذلك خائن، وإن الخيانة قاسم مشترك بين تل أبيب والعواصم العربية، وإن ساركوزي منافق كبير؛ لأنه يملك القدرة على تحرير شاليط بألف من أسرى فلسطين والمسألة في غاية البساطة لو كان هناك فقه، أو التزام به.
