مَثَلُ المستبدين الطغاة كمثل الكافرين أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد. الطاغية المستبد يعيش حياته في ضلال بعيد ويحسب أنه يمتلك الدنيا والآخرة، فهو يظن أن الساعة لن تقوم "ولئن رددت إلى ربي لأجدنّ خيرًا منها منقلبا"، وهم لا يستيقظون إلاّ بعد فوات الأوان.
في تونس استيقظ زين العابدين بعد أن تأله على شعبه دهرًا وهو يَفرّ هاربًا إلى جدة بعد أن أحاط به الاعتقال أو الموت من كل مكان، ليعيش بقية حياته صغيرًا كآية لمن خلفه، وفي مصر الكنانة استيقظ مبارك بعد أن تأله على شعبه واستبد به ثلاثين عامًا وهو في قفص الاتهام على سرير المرض بلا أصباغ كافية تغطي شيبته وصوت القاضي يوجه إليه تهم القتل والفساد، ولم يستطع أن يمسك بشيء مما عمل في الأعوام الثلاثين، فهي رماد في ريح عاصف، والساعة تنتظره، وحَمْل علاء للمصحف في قاعة المحكمة لن يوفّر له منقلبًا أفضل من منقلب المستبدين الطغاة.
وفي طرابلس يحتفل ثوار ليبيا بسقوط المتأله المستبد الطاغية معمر القذافي وأسرته الحاكمة. هو مازال بمعزل عن يد الثوار، ربما هو في جحر أو كهف يمارس جنون العظمة والتأله على غير بصيرة رغم وقوع ابنه المتأله الصغير (سيف القذافي) في قبضة الثوار ذليلاً، مَنْ نازع الله في ملكه، واستبد بخلقه، وطغى وتجبر، لا يصحو من غفلته إلا مع حبل المشنقة أو ملك الموت.
ثلاث عواصم عزيزة (القاهرة-طرابلس-تونس) تُمثّل شمال أفريقيا على المتوسط عانت لعقود ممتدة من قسوة الطغاة المستبدين كأشد ما تكون المعاناة، لا أحسب أن معاناة القاهرة وطرابلس وتونس تدانيها أو تضارعها معاناة مماثلة في أي من البلاد العربية التي أصابها البلاء نفسه. ثلاث عواصم تتحرر في أقل من عام، حين أدرك الشعب أن قوة الطاغية وأجهزته الأمنية لا تزيد عن أبراج من الكرتون تنهار على غير توقع مع أول هبوب لريح الوعي الشعبي الراشد.
مَنْ كان يصدق أن طرابلس ستسقط بيد الثوار بهذه السرعة؟!! المراقبون الأجانب وصفوا دفاعات طرابلس بأبراج الكرتون، وبالأمس القريب كانت معركة طرابلس هاجسًا مرعبًا لكل من أحب الدماء الليبية المسلمة. دفاعات طرابلس تستسلم للأمل المشرق الذي أوقدته دماء الشهداء على مساحة ستة أشهر من المعاناة والصلاة.
سألت قادة في ميدان التحرير وفي القاهرة: مَنْ صنع الثورة؟!
فأجاب الجميع: (الله وحده هو الذي صنع الثورة).
إن أعلى سقف للثوار في الأسبوع الأول كان هو تنحية (حبيب العدلي) وزير الداخلية، ولكن الله أعطى المتظاهرين ببركة دماء الشهداء والصبر الجميل على المعاناة فوق ما طلب الثوار، (الله هو الذي صنع الثورة)، وهو الذي أذل المتأله الطاغية.
والسؤال نفسه أسأله من هنا إلى الأهل في ليبيا مَن أسقط طرابلس؟! ومَنْ فضح المتأله معمر القذافي وأسرته الحاكمة؟! ما أجابت به القاهرة هو ما تجيب به الثورة الليبية وتجيب به الثورة التونسية. نبارك للثورات الثلاثة، ونُحذّر ونحن في رمضان من المعاصي.
