الثلاثاء 06 يناير 2026 الساعة 11:29 ص

مقالات وآراء

لماذا التخلص من دحلان في هذا الوقت بالذات؟!

حجم الخط

هل لقرار التخلص من دحلان في هذا التوقيت صلة بالموقف من قطاع غزة؟ يبدو السؤال غريباً بعض الشيء، ولعله أشبه بتمرين ذهني وجدل سياسي، لكنه يستند إلى معطيات موضوعية كثيرة تؤكد علاقة الأمر بالقطاع وما جرى ويجري فيه منذ الحسم العسكري، بل ربما قبله أيضاً.

 

من المؤكد أن التحليل الأساسي للقضية "الدحلانية" لا زال يصب بشكل أساسي في خانة صراع الأقطاب داخل فتح، وحيث يسعى الرئيس الفلسطيني إلى إحكام السيطرة على الحركة والمنظمة والسلطة في آن، الأمر الذي لم يكن سهلاً بوجود رجل قوي مثل دحلان يسيطر على حركة فتح في قطاع غزة، مع بعض النفوذ داخل فرعها في الضفة أيضاً (أكثره بسطوة المال معطوفاً على دعم خارجي)، ولا ننسى البعد الشخصي (جداً) كسبب من أسباب الأزمة، ممثلاً في حساسية الرئيس المفرطة حيال من يأتي على ذكر أبنائه ونشاطاتهم الاقتصادية وصلة بعضها بحركة السياسة في السلطة وقيادتها العليا.

 

كل ذلك بات معروفاً، وقبله سائر الفضائح والجرائم التي تلبس بها دحلان طوال عقدين وسكت عنها شركاؤه (أضافوا إليها تسميم عرفات)، لكننا نتوقف هنا أمام البعد المتصل بعلاقة ما جرى بالموقف من قطاع غزة في عقل قيادة السلطة، وربما القيادة الإسرائيلية أيضاً، ولا يفوتني هنا استحضار كلام نقل مراراً عن خصم دحلان التقليدي أيام عرفات، أعني جبريل الرجوب (كان الإسرائيليون خلال التسعينبات يسمون القطاع دحلانستان، ويسمون الضفة رجوبستان)، وخلاصته استعداد فتح للتنازل العملي عن القطاع لحركة حماس مقابل المصالحة ومنح "الولاية السياسية" على القضية لمحمود عباس. وفي ظني أن أحد أهم دوافع الموافقة على المصالحة بصيغتها المعروفة في عقل قيادة حماس، بخاصة في القطاع، هو ما تنطوي عليه من اعتراف ضمني بما آلت إليه الأمور في غزة والمياه الكثيرة التي جرت هناك منذ الحسم العسكري وجعلت الحركة سلطة أمر واقع لها ما للدول من رجال أمن وموظفين، مع وقائع لا تحصى لا تبدو العودة عنها ممكنة، مع أن جزءاً من تبرير المصالحة كان يتصل بوضع فرع الحركة في الضفة، والذي لم ينل من توقيع المصالحة سوى تصعيد القمع من قبل الإسرائيليين، من دون توقفه من طرف السلطة، مع أن شعبية الحركة في الضفة تبدو أفضل منها في غزة بسبب الظلم الذي يتعرض له أبناؤها الذين يشهد لهم الشارع الفلسطيني بتضحياتهم ونزاهتهم وصبرهم وحضورهم الإيجابي الرائع في مجتمعهم. ولا ننسى أن ما يجري في سوريا كان حاضراً أيضاً في قرار المصالحة بالنسبة لحماس أيضاً.

 

مقابل اعتراف السلطة الضمني بالوضع الجديد في القطاع، ثمة إقرار بلسان الحال من طرف حماس بالتطورات التي وقعت في الضفة (أمنياً واقتصادياً)، وهنا لا يُستبعد أن توافق الحركة على سلام فياض رئيساً للوزراء، وأقله وزيراً للمال يتحكم عملياً برئيس وزراء ضعيف، والأهم في هذا السياق هو الاعتراف بالواقع الأمني هناك، ليس على صعيد الأجهزة وتركيبتها فقط، وإنما على صعيد عقيدتها الأمنية أيضاً، والتي لا ترى حرجاً في التنسيق الأمني مع الاحتلال مع الإصرار على الحيلولة دون أي نشاط مقاوم (مسلح) مهما كانت الظروف، بما في العمل على منع انتفاضة شعبية سلمية حقيقية تخرِّب عملية بناء الدولة العتيدة بصرف النظر عن حدودها وسيادتها.

 

لكي يمر هذا التوجه الذي ينطوي على تهميش القطاع، لا بد من تقليم حضور فرع حركة فتح هناك (بالضرورة رمزه الأقوى دحلان)، وهو حضور وقع تهميشه بالفعل في اللجنة المركزية والمجلس الثوري للحركة، ولا قيمة هنا للقول إن ذلك تم بسبب حماس التي منعت خروج عناصر فتح، لأنه كان بوسع القوم أن يتجاوزاً ذلك لو توفرت الإرادة.

 

خلاصة القول هي أن قيادة السلطة لا تمانع في بقاء القطاع تحت سلطة حماس مقابل التحكم بالملف الفلسطيني دون إزعاج، وهي عموماً تتصرف منذ الحسم العسكري كما لو أنه غير موجود (تستخدم قصة "الانقلاب" في سياق المناكفة لا أكثر)، أو أنه خارج الصراع، وهو لم يعد مزعجاً بعد إقرار حماس بوجود التهدئة التي يصعب الرجوع عنها في ظل ميزان القوى الراهن مهما راكمت الحركة من أسلحة، فضلاً عن أن أهل القطاع لا يبدون في مزاج القبول بمواجهة عسكرية سيكون ثمنها باهظاً من دون أن يغير كثيراً في منظومة الصراع على ما تبقى من فلسطين ما دامت الضفة على حالها تحت ولاية القوم إياهم.

 

هكذا تلتقي قيادة السلطة وفتح مع الإسرائيليين الذين لا يريدون القطاع، في حين يجد ذلك ارتياحاً في بعض أوساط حماس التي يصعب عليها القبول بعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحسم العسكري.

 

النتيجة هي وجود علاقة بين قضية دحلان (إضافة إلى الأبعاد الأخرى) بهذا المسار، أعني تخليص قيادة السلطة من صداع القطاع، وتأكيد حقها شبه المطلق في توجيه القضية ذات الأولوية في الضفة الغربية، وستعتمد نهاية القصة على موقف القوى المؤثرة، أعني مصر والأردن ومن استثمروا في دحلان أيضاً، فضلاً عن مآل الحراك الداخلي في الحركة بوجود معارضين لإقصاء الرجل داخل اللجنة المركزية وحركة فتح، كل لاعتباراته الخاصة.

 

يبقى أن مصير ذلك كله (ومن ضمنه التخلص من القيادات الفاسدة من أمثال دحلان) سيكون بيد الشعب الفلسطيني في الضفة الذي يمكنه الانقلاب على هذه اللعبة وإعادة القضية إلى نصابها الصحيح كقضية شعب واحد (في الضفة والقطاع والشتات وأراضي 48) يقاوم الاحتلال، وليس شعباً يتسول المعونات ويطارد التنمية وفق منطق صندوق النقد الدولي؛ مع الاستمرار في المفاوضات بين دولته العتيدة (مع الاعتراف الدولي أو بدونه) وبين جارتها دولة الاحتلال!!