الخميس 08 يناير 2026 الساعة 03:25 م

مقالات وآراء

وللشعوب في بسطاتها مذاهب

حجم الخط

لم تكن بسطة خضار وفواكه كمثيلاتها التي نراها يومياً ونقف للشراء أو نكتفي بمرور الكرام، كانت لشاب صاحب نفس عفيفة ويد نظيفة يفضل أن يأكل من عمل يديه وعرق جبينه عن أن يسأل الناس أو يسلك طريق الكسب السريع بالإجرام، كانت بسطة شاب تخلى عن عنفوان الفتوة وشهوة اللعب والمرح ليأخذ مكان والده ويعيل أسرته المكونة من تسعة أفراد.

كانت بسطة لشاب سحقه فساد الحاكم وزمرته وتجبُّر الإنسان على أخيه الإنسان فأبقاه في ذيل المجتمع، ولكنه لم يسحق فيه الكرامة التي رفضت الظلم بعد أن بلغ السيل زباه.

 

كانت بسطة فواكه وخضار لشاب أشعل رغم فقره وضعفه بركان الثورة العربية الذي يسير في معظم الدول العربية محرقاً عروش الطواغيت والفاسدين الذين تنعموا بما لا يخطر على بال فيما كان محمد البوعزيزي لا يستطيع أن يحصل رزقاً حلالاً كفافاً من عربته.

كانت بسطة البوعزيزي هي مستصغر الشرر الذي أشعل الشعوب العربية فجعل التونسيين والمصريين والليبيين واليمنيين يحتملون ضريبة الكي بالنار كعلاج لإدراك العافية.

 

بسطة البوعزيزي علمتنا أن لا نحقرن صغيرة لأن صغار الحصى قد تصنع انتفاضة كما انتفاضة الحجارة التي أقضت وتقض مضاجع يهود، بسطة البوعزيزي التي لو رأيناها لم نأبه لها ولا لصاحبها هي التي أدمت مقلة الزين وحسني والقذافي ومن لف لفهم.

ولكن يبدو أن ثقافة البسطات مختلفة بين البلاد، وهي تدلل على ثقافة ووعي الطبقة المسحوقة وطريقة حياتهم وقد قالت لهم يوماً ماري انطوانيت: "كلوا الحلوى" عندما شكوا عدم وجود لقمة الخبز فبرهنت على انفصال الطبقة الحاكمة يومها وفي كل يوم عن مآسي وعذابات شعوبهم، ولكنهم ما سمعوا قولها وعادوا إلى الجحور حيث العوز والمرض بل ساروا إلى سجن الباستيل وأطلقوا الثوار وأنهوا قرونا من الجور والإقطاع فكانت الثورة الفرنسية التي أصبحت فرنسا بعدها بلاد النور والتنوير.

 

بدا تاريخ البسطات هذا، القديم والحديث، بعيداً عندما شاهدت البسطات في دوار الداخلية يوم الجمعة 25 آذار، بسطات الكعك والبيض والزعتر والشاي والقهوة واللحم المشوي، هذه البسطات كان عنوانها "يا ناس بدي أعيش، بدي أترزق" لا يهم كيف وأين! من مسيرة، من اعتصام، من مظاهرة، من عرس، من بيت أجر، من طهور، المهم أن تجمع الناس معناه عمل أكثر وقروش أو بضع دنانير زيادة، حتى لا يذهب بال القارىء أن رزقاً أكثر تعني سبائك ذهب مثلاً!

 

مع بسطة "بدي أعيش" قفزت إلى بالي مبادرة جلالة الملك عبد الله أكرمه الله التي اختار لها عنواناً مميزاً "عيش كريم" نعم إن ما يعلي قيمة الشعوب ليس العيش فقط فهذه نشترك فيها مع كل المخلوقات، إن ما يعلي درجة الإنسان والشعب هو الكرامة وهي التي تجعل للعيش طعماً وقيمة، وبدونها يكون باطن الأرض أفضل من الحياة.

 

ليست البسطات سواء، فالذي اقتحم مقر جبهة العمل الإسلامي في الأردن كان أيضا صاحب بسطة يدّعي أن الاعتصامات أوقفت عمله و رزقه، ولكن هذه البسطة لم تكن بسطة "بدي أعيش" فقط، هذه كانت بسطة "أنا ومن ورائي الطوفان" فالمهم أن أعمل أنا ولا يتأثر رزقي أنا، و لكن ماذا عن الذين لا يجدون حتى بسطة يترزقون منها؟! و الذين من أجلهم قامت مبادرات الإصلاح بالوسائل السلمية المختلفة، هذه البسطة كانت بسطة عمياء هوجاء بدل أن توجه غضبها ضد الفساد والمفسدين أو تضم بسطتها إلى البسطات الموجودة في الساحة وتوحد الصف للمناداة بالإصلاح، وجهت بسطتها في الاتجاه الخاطىء الذي يدمر أكثر مما يبني.

هو إذن عالم البسطات نعيشه الآن، ومن ميدان التحرير تعلمنا أن الميدان يجب أن يتسع للبسطات بكل الاتجاهات بشرط أن يكون كسبها واحداً، الإصلاح وليس غير الإصلاح دون مغالبة أو مناكفة أو منافسة أصحاب البسطات الأخرى، وأن نجعل بسطاتنا في خدمة أوطاننا ومواطنينا كل بحسب ظروف سوقه، فصاحب البسطة الأمين يربح ولكن من بضاعة صالحة لا فساد فيها ولا تخليط.

هو عالم البسطات نعيشه الآن، ويجبرنا أن نختار لنا بسطة، ومن يحضر السوق يتسوق ومن فاتته بسطة خير فقد فاته الخير، وإنما يُطلب الخير عند تزاحم بسطات الخير فالأمة لا تجتمع على ضلال.