عشرة سنين في عمر إنسان، يتراوح عمره في المتوسط بين الستين و السبعين الى التسعين في أحسن الأحوال في الدول الأوروبية، ليست فترة قصيرة بكل الأحوال، و هي ذات الفترة التي قضاها معجبو قصة الساحر الطفل ثم الشاب هاري بوتر في تتبع حياته من البداية الى الختام ممثلة في سبعة كتب وثمانية أفلام و ألعاب الكترونية وماركة عالمية لمنتجات متعددة!
هو منظر عجيب كان يرافق إطلاق كل جزء جديد من القصة حيث كانت طوابير من ألاف القراء تصطف في عتمة الليل و شدة البرد في الدول الأوروبية لتحصل على نسختها ساخنة فور وصولها من المطابع وتعيش هذه الحالة "البوترية" التي اكتسحت العالم بأكثر من 400 مليون نسخة مترجمة الى 69 لغة أكثر ربما من ترجمات الإنجيل والقرآن!!
هو منظر عجيب قد يجعلك للوهلة الأولى تفرح بأن القراءة في زمن التكنولوجيا ما زال لها عشاقها وروادها، ثم لا تلبث أن تسوؤك الحقيقة بأن القصة التي يتابعها الملايين حول العالم هي عن ساحر يقارع الشر مع أصدقاءه، و أن الرواية والفيلم الآخر الذي ينافس هاري بوتر و يوازيه شهرة هو عن مصاصي دماء ومغامرات الحبّ بينهم وبين البشر والمعروف بتوايليت Twilight.
و نعجب هل أوروبا التي تمجد السحر والسحرة الآن هي ذاتها أوروبا التي كانت تحرقهم وتنكل بهم أشد التنكيل في عهد غير بعيد؟! ثم نعجب أيضا كيف يتعلق جيل الشباب الذي يمتلىء عقله بالتقنية والحواسيب بالسحر و الشعوذة وما وراء الطبيعة ويقضي عشرة سنين في مطاردة القصة على أرفف المكتبات و أمام شاشات السينما؟!
و حتى معارضة الكنيسة للرواية و ما انبثق عنها لم تجد نفعا بل زادت من شعبيتها! فالانفصام والعداء بين الحياة العامة والدين يجعل من كل ما تمنعه الكنيسة مرغوبا و متبوعا!
لقد أصبح هاري بوتر أيقونة في عالم الشباب، و هذا لم يأت فقط من خلال سطور رواية لكاتبة لم يعرف عنها أحد قبل هاري بوتر ثم أصبحت بعده أغنى نساء بريطانيا وأكثرهم شهرة ومحبة حتى أنها نافست على اللقب الملكة اليزابيث! إنها صناعة كاملة تحول الكلمة الى صورة غاية في التأثير والابداع يرافقها دعاية تلعب على أوتار فارغي القلوب والعقول يتبعها إصدار منتجات وكلها ضمن خطة تسويقية متكاملة كفيلة بإدخال المعجبين في حلقة مفرغة لا أمل في الخروج منها وإنما مزيداً من الانغماس والتماهي لدرجة أن القصة والأفلام تحوّلت الى منتديات تفاعليّة فالجمهور لم يرضى بأن ينتهي العرض والقصة عند نهايتها، بل حولوا القصة الى أفلام من انتاجهم وتجميعهم باختيار وتقطيع مشاهد من الأصل وقصها ولصقها مع أغان مرافقة بحسب ما يريدون!
و الآن يتم عرض الجزء الأخير من السلسلة في الميادين العامة في العواصم العالمية الكبرى بعد أن جنى الفيلم في نسخه ما يقارب 6,4 مليار دولار وهذا العرض العام سيساهم في زيادة الإقبال والهوس ويتحول الى تجمع جماهيري حاشد يكون ختاما لعشرة سنين من قصة ساحر!!
لو كنت مسؤولة أو مربية لما اعتبرت ما يحصل مجرد ترفيه و تسلية بل ظاهرة خطيرة تستحق الدراسة و المعالجة و ايجاد البدائل، و لو كنت سياسية فاسدة، و ما أكثرهم، سلمنا الله منهم و من فسادهم، لاقتنصت الفرصة لتمرير ما أريد، و لسعدت بأن الشباب في الشرق والغرب لا تهمهم الحروب ولا الثورات ولا الضحايا ولا المفاعلات النووية ولا التلوث ولا ثقب الأوزون ولا التسخين الحراري، وإنما تتركز أنظارهم على فتية يمسكون بعصا و يرددون :أبرا كادبرا حتى ينقلب الليل نهارا!
و صدق الشاعر إذ قال:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله و أخو الجهالة في الشقاوة ينعم
كاتبة مكتئبة كانت تفكر في الانتحار بعد طلاقها وعدم نجاحها في الحصول على عمل شغلت العالم وأوقفته على قدم عشرة سنين كاملة!! فماذا فعل المثقفون في ذات المضمار وما حصيلة انجازاتهم وكم التفّ حولهم من الشباب؟ أم أن معظم جيل الشباب يتهافت على التفاهة ويترك الدسم المفيد لقلة ما زالوا يؤمنون أن الحياة رحلة كفاح وجهد و مثابرة، وأن النجاح فيها لا يصدر بالتأكيد عن عصا سحرية!!
