قام الرئيس اليوناني كارلوس بابولياس بزيارة رسمية لمدينة رام الله مؤخرا، حظيت هذه الزيارة بتغطية إعلامية واسعة ،حيث استقبل رئيس السلطة كارلوس استقبالا رسميا وبحفاوة بالغة، واستعرضا معاً حرس الشرف بمقاطعة رام الله من فوق البساط الأحمر، تأتي الزيارة تلك بعد يوم واحد من زيارة الضيف للكيان حيث شكره رئيسهم شمعون بيرس وعدد من القادة العسكريين والسياسيين لما بذلته حكومة بلاده من جهود جبارة لمنع إبحار سفن أسطول الحرية (2) من موانئ اليونان البحرية تجاه قطاع غزة المحاصر.
جاء موقف اليونان المنحاز للاحتلال وقرارها بمنع إبحار سفن الأسطول منسجما تماماً مع الهوى الإسرائيلي بل وبتحريض مباشر من صهاينة العالم ،ولأن وصول الأسطول سيضع قادة الكيان أما خيارات صعبة وحرجة ،ولتفادي وتلافي ما حدث مع الأسطول الأول وسفينة مرمرة بالتحديد بذل الكيان كل ما بوسعه وبكل قوة بغية عدم الوصول للحظة المواجهة والصدام بعرض البحر، الأمر الذي من شأنه أن يقلب ظهر المَجنّ ويخلط أوراق الكيان على الحلبة الدولية والساحة الأممية ،رغم الانحياز الواضح والأعمى لصالح إسرائيل بأروقة معظم تلك المؤسسات، فلجأت أجهزة أمن العدو تارة لإعطاب محركات السفن التي تستعد للإبحار ،وتارة أخرى لتهديد المتضامنين ،وثالثة للضغط على دولهم وحكومات بلدانهم من أجل منعهم من السفر والإبحار لغزة، وفي النهاية كان أن تصدت اليونان للأمر بحزم وأغلقت موانئها أمام السفن ،وأعفت الكيان من كل التبعات السياسية والقانونية التي من الممكن أن تترتب على مواجهة بحرية الكيان لسفن الأسطول والمتضامنين بالقوة.
ربما من المفيد الوقوف على الخلفيات والأسباب التي من المتوقع أن تكون قد حملت الرئيس اليوناني كارلوس وحكومته لاتخاذ القرار الأحمق سالفة الذكر، ومن هذه الأسباب أن اليونان التي تعاني أزمة مالية خانقة تتفاقم يوما بعد يوم بلغت ذروتها مؤخرا حينما أُعلن سابقا أن نسبة العجز بالموازنة قد وصلت (12.7)% من الناتج المحلى الإجمالي ،وهي نسبة مرتفعة بأربع أضعاف المسموح به في دول الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو بشكل عام ، وبلغة الأرقام فإن حجم العجز بالموازنة اليونانية بلغ (300) مليار يورو، ربما هذا الأمر كان بمثابة نافذة دخلت منها الدول المحبة لإسرائيل والراغبة بعدم إحراجها دولياً فمنحت اليونان ما منحتها من أموال تحت بند هبات مالية أو مساعدات إنسانية لتنفيذ مهمة منع السفن من الإبحار ،وعلى الأغلب فإن السبب الرئيس هو الحملة التي قادها اللوبي الصهيوني بمختلف دول العالم للضغط على المتضامنين ودولهم من ناحية وممارسة ضغوط جبارة على حكومة اليونان هو ما حمل الحكومة المذكورة على اتخاذ قرارها المشئوم.
كائنة ما تكون الأسباب فإن السؤال الذي يتبادر للذهن ويسأله الفلسطيني لنفسه مرارا وتكرارا هو لماذا أقدم رئيس سلطة رام الله على استقبال الرئيس اليوناني في ظل هذه الظروف؟ وماذا عسى زيارة رئيس تعاني بلده من أزمة مالية وأزمات عديدة أخري أن تفعل ؟والحقيقة أنها لا تقدم ولا تأخر من الواقع السياسي شيء ،وهل تمت الزيارة للكيان أولا لمكافأة كارلوس على جهوده وإجراءات حكومته وسلطات الموانئ ببلده ،ثم جاءت زيارته لرام الله لتكملة الدور؟ وان كان الأمر كذلك فلماذا قبل رئيس السلطة بهذا الاستقبال وبتلك الزيارة؟
جميع هذه التساؤلات مطلوب من رئاسة السلطة برام الله أن تقديم للمواطن الفلسطيني إجابات لها، قبل فوات الأوان وقبل أن يسأل الشعب السلطة بطرقه الخاصة ويقول الشعب لا يريد من يساهم بفرض وتشديد الحصار على قطاع غزة.


