الإثنين 19 يناير 2026 الساعة 08:27 ص

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

«محسوبك» عدو السامية

حجم الخط

1- بين يدي هذا المقال

 

مذ قامت الثورة السورية خصصت هذه الزاوية لها حتى يقضي الله أمراً..

 

وهذه الحلقة استثناء، إن شاءت السبيل، نشرتها خارج الموعد، وإن شاءت قطعت السلسلة بهذا المقال ونستأنف الحديث عن سوريا بعده.

 

وأمر آخر نحن لا نعادي اليهود كدين وأصحاب دين -معاذ الله، فهذا ليس من ديننا- وإنما نعادي محتل أرضنا وطارد شعبنا من أرضه، ومنغص عيش هذا الشعب بحرق زرعه، وقلع أشجاره وهدم دوره وسجن عشرات آلاف شبابه. وتشريد وإبعاد خيرة أبناء فلسطين. ولو أن أي شعب واجه ما نواجه لفعل ما فعلنا وزيادة.

 

وأمر آخر: تعطينا أوربا اليوم دروساً في معاملة أصحاب الدين المخالف، ونحن نعلمهم ونعلم الدنيا هذا الدرس، فما سلك أحد في العالم مسلكنا المتحضر مع أصحاب الدين المخالف..

 

وأوربا هي التي عاملت اليهود بالذات بالاحتقار والتمييز والقتل في أفران الغاز (وغيرهم طبعاً) وليس هذا خاصاً بهم. وما فعل باليهود هذا إلا من سوء سلوكهم (..).

 

وأمر رابع أني ذهبت آخذ فيزا من بلد في أمريكا، فسألني قنصلهم في عمان ما موقفك من "إسرائيل"؟ فقلت: وهل أنا متقدم لآخذ الفيزا من "إسرائيل" أم من بلدك؟ ولماذا محتل بلدنا حرام علينا أن نقاومه وأنتم تحتفون بيوم استقلالكم عن محتل بلدكم؟ وقلت له: هل تظنني أنسى أن هؤلاء قتلوا أربعة إخوة لي أطفالاً صغاراً من البرد والجوع والمرض. فهل أنسى ما فعلت "إسرائيل"؟ لن أنسى تشرد أهلي وأنا طفل لا أجد وجبة في اليوم. هذه قصتنا مع "إسرائيل" يا محامي الدفاع عن "إسرائيل"!

 

2- أساس العدل ألا يكون أحد فوق القانون.

 

لا يصلح الناس فوضى بلا قانون، وأسوأ من هذه الفوضى أن تسن القوانين لتقنين الظلم، ولتجعل أناساً فوق القانون، وأناساً يغتالون باسم القانون.

 

ومن أعظم ما في الإسلام العظيم، وكله عظمة والله، أن لا أحد فيه فوق القانون، بدءاً برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال له ربه تعالى: "لئن أشركت ليحبطن عملك". وقال له: "ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً. إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً". الإسراء 74-75.

 

والنصوص كثيرة فلا نطيل. وأما في العبادات فحمله أثقل: "قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً" وفي الدعوة حمله أثقل: "فاصدع بما تؤمر" "بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" ومن قبل قيل لأخيه موسى: "اذهب إلى فرعون إنه طغى". وما يقبل من غيره ويتجاوز عنه فيه قد لا يقبل منه. أرأيت إلى يوسف كيف لبث في السجن بضع سنين لمجرد أنه استعان بسجين. فرباه ربه ألا يستعين إلا به. وهذا في حقنا لا ذرة حرج فيه.

 

وأما أزواجه فشأنهن شأن المؤمنات، بل هن حملهن أثقل وعقوبتهن أشد: "يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيراً" الأحزاب30 والآيات في هذا المعنى أيضاً عديدة. وأما أهل بيته فقال عنهم: "لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأحسابكم. اعملوا لا أغني عنكم من الله شيئاً". وقال: "والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". والفاروق كان يشدد على بني مخزوم ومن يمتون إليه العقوبة حتى لا يستفيدوا من قرابتهم منه.

 

مختصر القول: عدالة الإسلام وعظمة الإسلام عظيمة بلا حدود، ومن أعظم أوجه عظمته هذا المعنى.

 

ومن أسوأ صور الظلم في الحضارة الغربية أنها جعلت البشر أصولاً وأعراقاً، فأناس –بزعمهم- أبناء الله وأحباؤه. وأناس أعداء الرب وسيحاربهم. ولكن ما مواصفات أنصار الرب وأعداء الرب؟ إنهم لا يحددون ولا يجيبون! ورسخت الحضارة البيضاء قيمة الرجل الأبيض وحطت من قيمة لون البشرة الأسود، وغضت من إنسانيتهم وعاملتهم بقسوة وظلم وتهميش وازدراء، ولا يقولن أحد لا لم يكن بل كان وما يزال.

 

والآن نسبة السود المسجونين لا تقل عن 80 في المئة ونسبة من ينفذ فيهم حكم الإعدام من هؤلاء لا تقل عن هذه النسبة علماً بأن السود 20 في المئة. من هنا لم يكن لمحمد صلى الله عليه وسلم أولاد ذكور حتى لا يتميزوا هم وذراريهم ويسودوا لمجرد النسب: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم".

 

3- الحضارة الغربية: من ظلم إلى ظلم.

 

عاملت الحضارة الغربية اليهود بالتمييز والاحتقار والهولوكوست كما يزعمون (بحق أو بمبالغة. ليس موضوعنا)، وبعد أن هيمن اليهود على الحضارة الغربية وتسلموا دفة الأمور فيها، قاموا يفرضون قوانين نقلت الحضارة الغربية من التمييز ضدهم إلى التمييز ضد الآخرين لصالحهم هم. وهذا ليس حلاً للمشكلة وإنما تصعيد لها ومفاقمة ومضاعفة. والناس من طبيعتها أن تكره المتميز فألغيت الديانة من خانة التعريف بالشخصية من أجل عيونهم لأنهم هم الذين تأذوا من هذه المسألة. ومنع التمييز على أساس الدين، ولم يستفد من هذه التشريعات إلا هم، فالتمييز ضد الدين الإسلامي، وشتيمته والتطاول عليه وعلى الكتاب الكريم جار على يد الجنود الأمريكان والصهاينة ولا أحد يحاسب، لكن لو مس الدين اليهودي بغبار لقامت قيامة الدنيا. و"جلْدر" الهولندي الذي تطاول على الإسلام ونبي الإسلام والقرآن وقدم للمحاكمة بريء، لأنه لم يرتكب جرماً يحاسب عليه القانون. ولو كان رجلاً فليقل كلمة بحق اليهودية.. فسيجد نفسه في الزنازين!

 

فأنت واجد في كل قانون في كل دولة من دول العالم ما يحمي اليهود على وجه الخصوص. فكيف يفصّل القانون على مقاسات مجموعة مذهبية أو دينية أو عرقية؟ ولماذا لا يكون القانون عاماً شاملاً لا يميز ولا يحابي؟ وجزء من جريمة "غارودي" أنه قال: هناك من أحرقوا في الهولوكوست سوى اليهود، كالغجر مثلاً، فاعتبر هذا إساءة لليهود وحوكم بتهمة معاداة السامية! وآرفنج المؤرخ والأكاديمي البريطاني الذي درس الوثائق المتعلقة بالهولوكوست لمدة سبع عشرة سنة، وأصدر بحثاً عميقاً وكتاباً علمياً جامعياً رصيناً قال فيه: إن الرقم 6 ملايين يحتاج إلى مراجعة، فحكمت عليه لبحثه العلمي محكمة نمساوية بالسجن مع النفاذ (5) سنوات وغرامة (5) مليون باوند.

 

ما هذا؟ هذا هو عين الظلم. أن يفصل القانون لطائفة أو لمجموعة فلا يحمي إلا هي، ولا يراعي إلا خاطرها، ولا يعترف بحقوق إنسانية أو مدنية أو حماية قانونية أو قوانين حمائية إلا لهم من دون البرية والبشرية فلماذا؟ وألف لماذا؟ ومن ينتفض على هذا الواقع المنحاز الظالم العفن، ويجعل القانون على عمومه لا يفصل على المقاسات لحفنة من السوبر باشوات!

 

4- حكايتي مع السفارة البريطانية

 

عندما وقع حادث انفجار مترو الأنفاق في لندن، كتبنا ضده بطبيعة الحال، وقلنا إن ديننا لا يسمح بهذا، والمصلحة لا تسمح به، والعقل والتعايش لا يقره ولا يقبله. وإن أوسع بلد في حسن معاملة المسلمين والأجانب عموماً هو بريطانيا. وأوسع بلد في التضامن مع قضايانا وأكثر بلد سيّر المظاهرات ضد الحرب في بريطانيا. وجورج غالاوي النائب الإنجليزي في مجلس العموم هو الذي قاد قوافل كسر الحصار عن غزة وكان داعمها الأساسي من بريطانيا.

 

وهذا الموقف لا نتزحزح عنه لأنه الحق والدين والمصلحة في آن. وعندما كنا نخطب الجمعة ونلقي الدروس، هذه هي الروح التي نلقي بها الدروس. وقد دعيت إلى حضور مؤتمر لنصرة فلسطين في عدة مدن بريطانية، وهو نشاط مكرور في كل سنة. وقد ألغيت تدريسي للفصل الصيفي في الجامعة من أجل هذه الأيام وأيام رمضان التي قضيت منها أجمل أيام رمضان في الحياة، وقد كتبت هذا في هذه الصحيفة الطيبة.

 

وعندما حان موعد السفر حزمت متاعي أو حقيبتي للسفر وبكرت جداً لأن موعد الإقلاع مبكر، وعندما جاءني الدور عند موظف السفريات في المطار في الشركة البريطانية (التي حجزت التذاكر عن طريق لندن منها) فوجئت به يحمل جواز سفري والتذكرة ويطير بها إلى المسؤول، الذي جاءني سريعاً، وقال: هل يمكن أن ننحي الحقيبة عن الدور حتى ننجز معاملات التالين؟ قلت: الرسالة وصلت. وكان بالأمس كلمني المصلون وقالوا: كيف تسافر وقد اعتقل رائد صلاح في لندن؟ قلت: ذاك رائد صلاح ولكني لا في العير ولا في النفير. كما قال أبو سفيان.

 

ثم أخبرني الموظف المسؤول أن السفارة اتصلت بهم منذ الصباح الباكر تخبرهم أن عليّ مراجعة السفارة قبل السفر إلى لندن. فقلت: لن أراجع الرسالة واضحة!

 

ثم جاءني كتاب سري للغاية من السفارة البريطانية من عدة صفحات يعرفني بأنني عدو للسامية (نحن ساميون طبعاً ولكن لا أحد يعترف، ولا يشرفنا أن ننتمي إلى ما ينتمون إليه من سامية لا نعلم لها أصلاً ولا مصدراً دينياً صحيحاً. ولذلك خاطبهم ربنا في سورة الإسراء سورة المفاصلة والحسم معهم بقوله: "ذرية من حملنا مع نوح" ليس ذرية نوح لا سام ولا العم سام ولا سام جونز ولا رز أنكل سام ولا شيء من هذا الكلام. إنما الحق الصراح هو خطابهم بأنهم ذرية من حملنا مع نوح، وأنتم في هذا تستوون مع الخلائق جميعاً فمن أين اخترعوا السامية؟ ومتى تفيق البشرية الغبية؟ ومتى يفيق المسلمون نقلة الروايات الإسرائيلية؟ ومتى نخلص من التمييز لصالح السامية ضد كل الإنسانية؟).

 

وفي الرسالة نفسها تعريفي بنص في القانون البريطاني ما حكم من يعادي السامية، وأن اليهود جزء من النسيج الاجتماعي البريطاني، ومن يكره فئة من هذا النسيج فهو يعادي النسيج أي بريطانيا. وحكمه في القانون الحبس لعدة سنوات..الخ.

 

هذا القانون المفصل على مقاس طائفة أو فئة، بدلالة أنه لو شتم المسلمون ونعتوا بالإرهاب كمسلمين على العموم، وأن كتابهم مصدر الإرهاب وأن نبيهم.. حاشا للكتاب ولمقام النبي.. أول إرهابي. فما حكم هذا في القانون؟ ستجد أنه لا نص ولا عقوبة. بدلالة أنه يمارس يومياً ولا محاسبة.

 

على كل حال، أخبرني إخواننا في بريطانيا أن موقعاً يهودياً كتب ضدي أنا ورائد صلاح وأننا أعداء السامية فقالوا كنا نتوقع هذا من يوم قرأنا في الموقع هذا الهراء!

 

على كل حال -أيضاً- هذه صورة واضحة فاقعة ناصعة عن تحكم اليهود في العالم وعن العلو الكبير الذي كلما ظننا أنه بلغ الأوج، فوجئنا به يرتقي إلى علو أعلى.. إلى حين.

 

العالم كله يخوض المعركة نيابة عن "إسرائيل"، وليس مصادفة أن تمنع اليونان سفن كسر الحصار، وأن تمنع بريطانيا متكلمين معتدلين من الوصول إلى لندن.. أتعجبون؟ هذا ما خبرنا الله في كتابه المعجز: "ولتعلن علواً كبيراً" وما حصل لي أعده شرفاً أعتز به. للعلم.