الخميس 08 يناير 2026 الساعة 02:40 م

مقالات وآراء

سفارات التعهير

حجم الخط

يبدو أن الدائرة التي استحدثها الرئيس الأمريكي السابق بوش لتحسين صورة أمريكا في العالمين العربي والإسلامي، وعين لها مبعوثين خاصين لإيجاد قنوات حوار لمزيد من الفهم والتفاهم، ومن بعده أوباما الذي عين المسلمة الأمريكية المحجبة داليا مجاهد مستشارته لشؤون المسلمين وعضو مجلس الأديان؛ لم تجد نفعا في إفهام الأمريكان بأننا أتباع دين نعيش به ونطبقه في حياتنا، ولا نحصره في دور العبادة، وإن لم يكن، في بعض حالاتنا، فأتباع عادات وتقاليد وقيم اجتماعية لها بالغ الاحترام والتقدير وتقترب في سلطتها من سلطة القانون المكتوب!

 

ويبدو أن فهمنا لعمل السفارات كبعثات دبلوماسية تعنى بالأمور السياسية ما بين بلدها والبلد المضيف وبشؤون رعاياها والمسافرين إليها، مع عدم التدخل في شؤون البلد المضيف بأي شكل من الأشكال لا ينطبق على السفارة الأمريكية في الأردن، القلعة المحصنة التي لا ينفذ إليها إلا من يريدون! وإلا كيف نفسر قيام السفارة بالإعلان عن استقدام راقصين محترفين لتعليم الشباب الأردني مجانا تقنيات رقص البريك دانس؟ والأدهى من ذلك أن يتم ذلك بالتعاون مع مؤسسة أردنية! والأنكى من هذا وذاك إقامة حفل مجاني في ساحة الثورة في العقبة بعد الانتهاء من التدريب!

 

والاختيار بحد ذاته محقر للأردنيين والعرب على حد سواء، ففي الوقت الذي تموج فيه الساحات والميادين العربية بهذه المسميات بالمطالبات بمحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين وتمكين الشعوب وإصلاح الأنظمة وتسيل الدماء من أجل ذلك ترى أمريكا أن الأردنيين غير خليقين بما حققه إخوتهم العرب، ويكفيهم أن يرقصوا احتفالا بهم أو نسيانا لجراحاتهم!

 

لم يقرأ الأمريكان التاريخ، وإن قرؤوا لم يفهموا أن الثورة العربية الكبرى بدأت بقيادة الهاشميين، وإننا نرفض أن ننكس الراية أو نخون الإرث أو نحول الثورة الى رقص وملهاة، ولكننا نحفظ ونعرف، ولم ننس كيف تآمروا في أوروبا على ثورتنا ومكروا بنا في سايكس بيكو ووعد بلفور، وما هذه النشاطات الا استمرار لذلك المكر تحت ستار الفن والثقافة. راقصون عن طريق السفارة، والفن يتداخل بالسياسة.

ومن خلال السفارة وأمريكا تسلل الإسرائيلي «ايلان جرابيل» بهوية أمريكية على أنه صحفي ومبتعث من جامعة أمريكية الى ميدان التحرير أيام الثورة ليندس بين الشباب المصري، ويجمع المعلومات ويجند الجواسيس ويزرع الفتنة! والتساؤل هو: لماذا هذا البرنامج المجاني في الأردن؟ ولماذا يُوجه لشباب الأردن دون غيرهم؟

 

أما الشباب والبريك دانس، فلو كان فيه أي خير لنفع أيقونة الغناء والرقص مايكل جاكسون الذي اخترع رقصات اشتهر بها دون غيره، ولما عاش حياة معذبة شاذة ومات ميتة بشعة في سن مبكرة مقتولا أو منتحرا يصدق فيه الشعر مع التغيير:

عذاب في الحياة وفي الممات لحقا تلك احدى العقوبات

والسؤال للسفارة الأمريكية: هل نستطيع استقدام علماء فيزياء وذرة ومطوري أسلحة، ليعطونا دورات مجانية في تصنيع المفاعلات النووية والأسلحة، حتى نوازن بين النهضة الفنية والتقدم العلمي والتقني في بلادنا، ولا يكون التطور الفني تغطية على الفشل الذريع في مجال العلوم والاختراعات؟! أم أن هذه الدورات والعطايا والهبات لا تعرف طريقها في المنطقة سوى الى غرب النهر، ليعود علينا أثرها فسادا في أخلاقنا، وسرطانات تنهش أجسامنا، وأسلحة ترمل نساءنا وتيتم أطفالنا وتهدم دورنا وتقسم بلادنا؟!

 

يقول ابن خلدون في مقدمته إن طغيان الفنون في أمة وتراجع العلوم دلالة على تفسخها ونهايتها، فهل نختار نحن الأردنيين البداية أم النهاية؟ ألا يكفينا ملفات الفساد المنتجة محليا، لنستقدم فسادا صنع في الويلات المتحدة الأمريكية؟

 

في القديم من عصر المروءة، كان الناس إذا توفي جارهم يمتنعون شهورا عن إقامة أعراسهم واحتفالاتهم، وهي بشرع الله، مراعاة لخاطر جيرانهم وأحزانهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم وصى بسابع جار، وبعد مرور الوقت كانوا يستئذنون أهل المتوفى في إتمام العرس دون طبل ولا احتفال حياء منهم وشعورا بهم، والمأتم ليس في بيت الجيران، إنه في بيتنا الأقرب... سوريا.

 

في المواقف والمسيرات الوطنية، وما أكثرها في الأردن، كنا نقف أمام سفارة العدو الصهيوني نردد:

لا سفارة صهيونية على أرض أردنية.

 

ويستوى ذات الشيء في حق سفارات التعهير فهل نردد:

لا سفارة تعهيرية على أرض أردنية.

وليحفظ الله الأردن قويا عزيزا، وسيفه صارما إذا نبت السيوف، والأردنيين أهل العزم والكرامة.

نعم، نحن للضيف، ولكننا أيضا للسيف عندما يتجاوز الضيف حده، ولا أهلا ولا سهلا.