يرتبط تسويف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وميله الواضح لعدم التوصل لصفقة تنهي ملف الجندي الإسرائيلي المختطف جلعاد شليت، بحقيقة مواصلته الرهان على إمكانية أن تسهم الخيارات العسكرية في التوصل لإحدى نتيجتين، وهما:
إنهاء الملف دون أن يتم الاستجابة لأي مطلب من مطالب حركة حماس، وذلك عبر العمل على تحرير شليت حياً أو ميتاً، وإما أن تؤدي نتائج الخيارات العسكرية الممارسة إلى تقليص قائمة المطالب التي تقدمت بها حماس كماً ونوعاً. إن هناك دلالات واضحة على إصرار نتنياهو على تكليف قادة سابقين في جهاز "الموساد" تخصصوا في تنفيذ العمليات السرية والخاصة، قادة عرفوا بقدرتهم على توظيف العمليات الاستخبارية في تنفيذ عمليات خنجرية وراء الحدود، ليتولوا الإشراف عن ملف شليت، مثل مسؤول الملف السابق حجاي هداس، والمسؤول الحالي دفيد مدان. بكل تأكيد تمكن الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الكشف عن بعض المخططات الإسرائيلية التي هدفت لتنفيذ عمليات اختطاف ضد قادة في أذرع المقاومة يدلل على الاتجاه الذي يفضله نتنياهو.
إن إقرار قادة الأمن الإسرائيلي الممزوج بالحسرة والألم بعدم تمكن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من الحصول على معلومات حول مكان اختفاء شليت، على الرغم من القرب الجغرافي لقطاع غزة من "إسرائيل" ورغم الاستثمار الإسرائيلي الهائل في مجال تجنيد العملاء وتوظيف التقنيات المتقدمة، كل هذا يصيب نتنياهو بالإحباط. ليس هذا فحسب، بل إن خروج رؤساء سابقين لجهاز المخابرات الداخلية "الشاباك" و"الموساد" في حملة تطالب نتنياهو بدفع كل ثمن من أجل ضمان الإفراج عن شليت، على اعتبار أن إمكانية تحريره حياً تؤول إلى الصفر، يقلص هامش المناورة أمام نتنياهو الذي يمتلك وحده إمكانية إنهاء هذا الملف.
ومع ذلك فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي يحاول أن يعوم عكس التيار، ويحرص في الخفاء على بناء الأرضية لتنفيذ مخططات عسكرية بغرض إنهاء ملف شليت بأقل الخسائر. يكتفي نتنياهو عن عمد بإلقاء تصريحات فضفاضة بشأن استعداده لتقديم "تنازلات مؤلمة" من أجل ضمان الإفراج عن شليت، لكنه في الواقع لا يقصد ما يقول على الإطلاق. يدرك نتنياهو أن الشعب الفلسطيني لم ينكسر وتحمل تضحيات هائلة في سبيل ضمان تحقيق المقاومة أهدافها من اختطاف شليت، وبالتالي فهو لا يلقي بالاً للدعوات التي تطالبه بالعودة إلى خيار العقوبات الجماعية من أجل إجبار المقاومة على إبداء ليونة والتراجع عن مطالبها، لكن المؤشرات تدلل على إنه في المقابل ينوي تركيز الضغوط الأمنية والعسكرية على حركة حماس وتحديداً ذراعها المسلح "كتائب عز الدين القسام"، على أمل أن ينجح في تحقيق أهدافه ولو بشكل جزئي.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة: لماذا يبدي نتنياهو كل هذا الرفض وتلك الممانعة ويتهرب من التوصل لصفقة تبادل أسرى، وهو يعي إن إمكانية نجاح الجيش الإسرائيلي في تحرير شليت بالقوة أمراً مستحيلاً، ومع إدراكه أن الرأي العام الإسرائيلي سيؤيد أي صفقة تضمن الإفراج عن شليت، كما أن نتنياهو بإمكانه ضمان تأييد حكومته لأي صفقة يتم التوصل إليها؟.
في الحقيقة إن هناك سببين رئيسيان يدفعان نتنياهو لتفضيل الخيارات العسكرية في محاولة حسم ملف شليت، ويمكن ايجازها على النحو التالي:
أولاً: المعارضة التي يبديها جهاز المخابرات الداخلية "الشاباك" للصفقة، مع العلم أن "الشاباك" هو أكثر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تأثيراً على دوائر صنع القرار الإسرائيلي، عندما يتعلق الأمر بالشأن الفلسطيني، على اعتبار أن هذا الجهاز هو المكلف بمواجهة المقاومة الفلسطينية. صحيح أن الحكومة الإسرائيلية بإمكانها اتخاذ أي قرار تراه مناسباً بوصفها جسماً منتخباً، وصحيح أيضاً أن الأجهزة الأمنية تكون مطالبة دائماً بتنفيذ تعليمات الحكومة، لكن في المقابل فإن الحكومات المتعاقبة تبدي في الغالب حرصاً على عدم القيام بأي خطوة تتعارض مع توصيات الأجهزة الأمنية وتحديداً "الشاباك". وقد أبدى "الشاباك" طوال الوقت معارضة كبيرة لصفقة تبادل الأسرى مع حماس، بزعم أن مثل هذه الصفقة ستعمل على إحداث طفرة في العمل المقاومة في الضفة الغربية تحديداً، مع العلم أن "الشاباك" يدعي أنه تمكن من خفض وتيرة العمل المقاوم في الضفة الغربية بشكل كبير جداً منذ تنفيذ عملية "السور الواقعي" في أبريل 2002.
ثانياً: لا يمكن فهم منح نتنياهو كل هذه الأهمية لموقف الشاباك بدون التذكير بما يجمع عليه كل من عرف هذا السياسي، ألا وهو الضعف الذي تتسم به شخصيته. فقد سبق لرؤساء وزراء أقوياء في "إسرائيل" أن خالفوا توصيات "الشاباك"، أمثال إسحاق رابين وأرئيل شارون. لكن نتنياهو ليس محسوباً على هذه الفئة من القادة. فهو ببساطة يخشى أن يتحمل المسؤولية عن تبعات أعماله، والذي زاد من ضعف نتنياهو، حقيقة أن أشهر عمليتين استخباريتين تمتا في عهده انتهتا بالفشل: محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، واغتيال القيادي في "كتائب القسام" محمود المبحوح في دبي. صحيح أن نتنياهو متحمس لتنفيذ عملية عسكرية لانهاء ملف شليت، لكن كل الدلائل تشير إلى أنه يشترط على الأجهزة العسكرية التنفيذية تقديم ضمانات لنجاح هذه العملية، حتى لا يتم تحميله المسؤولية عن فشل العملية عند تشكيل لجان التحقيق.
إن ما تقدم يدلل على أنه يتوجب التجند بكل أسباب الحذر والحيطة وعدم الركون إلى الانطباعات المضللة التي يحاول نتنياهو تكريسها لدى المقاومة، والاستعداد لأسوأ الاحتمالات.


