ناعوم شاليط والد الأسير جلعاد شاليط يتهم نتنياهو بالتقصير والإهمال، وتعريض حياة جلعاد للخطر؛ لأن نتنياهو يرفض دفع ثمن التبادل. ويقول ناعوم إن الإفراج عن معتقلين فلسطينيين كثمن لصفقة التبادل لن يغير من الواقع الاستراتيجي، ولا يهدد أمن المواطن الإسرائيلي، وهنا قال أصدقاء شاليط المتواجدون في اعتصام أمام بيت نتنياهو (لا يحق لك التصرف في حياة جلعاد!) وقالوا (1827 يومًا من الأسر كفاية!).
ما يقوله ناعوم حول لامبالاة نتنياهو وإهماله لملف تبادل الأسرى واختفائه حول مزاعم أمنية واستراتيجية غير صحيح، وغير منطقي ولا يتفق مع التقديرات التي قدمتها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وناعوم محق في تحميل نتنياهو المسئولية؛ لأنه لا يتصرف بمسؤولية كافية في هذا الملف، ويزعم أنه قبل بعرض الوسيط الألماني وأن حماس لم ترد على مقترحات الألمان، وهو يعلم أنه يكذب في ما يقول، وأنه يناور على شعبه وعلى أسرة شاليط وأصدقائه، والحقيقة هو الوحيد الذي عطل الصفقة في جلسة مجلس الوزراء المصغر قبل أكثر من عام.
وفي الوجه المقابل، المجتمع الفلسطيني يتهم السلطة وبالذات محمود عباس بإهمال ملف الأسرى الفلسطينيين وأنهم يستسلمون للرؤية الإسرائيلية؛ ولهذا نقول لعباس ما نقوله لغيره إن الثلاثين سنة من الأسر كفاية، إنه إذا كانت السنوات الخمس التي هي مدة أسر شاليط ثقيلة على المجتمع الإسرائيلي وعلى أسرة شاليط فإن أضعاف هذه المدة ثقيلة جدًا على الشعب الفلسطيني وعلى ذوي الأسرى. الشعب الفلسطيني يرفض سياسة السلطة المهمشة للأسرى، ويرى في موقف حماس أملاً وحلاً؛ لذا فهو يدعم موقفها ومطالبها في عملية التبادل ويرى أنها تمثل ضمير الأسرى وذويهم.
إذا كان اتهام ناعوم لنتنياهو صحيحًا، فإن اتهام الفلسطينيين لعباس أكثر صحةً، فلا يجوز أن يجلس الرئيس في قصر وأن يبقى الأسير في قبر، وإن مجد منظمة التحرير بناه الأسرى والشهداء ولم يبنه الساسة ولا المفاوضون.
نحن نقول لعباس ونقول لنتنياهو أيضًا كفاية. الطريق واحد ومحدد. والإسراع إلى دفع الثمن أولى من التراخي فيه ثم الندم. وإن مصر جاهزة لإدارة الملف إذا ما كان الألماني قد أنهى وساطته. وحماس جاهزة لدفع الثمن إذا ما كان نتنياهو جاهزًا وفي قضايا الأسرى لا مبرر للمراوغات.
إن الحقيقة المرة التى يتعين الاعتراف بها فى هذا الصدد أنه منذ انكسرت مصر وبلغ ذلك الانكسار ذروته حين وقعت مع إسرائيل اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، فإن ذلك كان حدا فاصلا فى انتقال مصر ــ التى جرت وراءها أغلب الأقطار العربية للأسف ــ من الاستقلال إلى التبعية بصورة تدريجية، وكان انهيار الاتحاد السوفيتى لاحقا وتفرد الولايات المتحدة بصدارة المشهد الدولى عنصرا مساعدا على ذلك.
منذ ذلك الحين لم يلتحق العالم العربى ببيت الطاعة الأمريكى فحسب، وإنما انعشت الأجواء السلبية أحلام قوى الاستعمار القديم ــ فرنسا وإنجلترا بالأخص ــ فعادت إلى محاولة استعادة نفوذها فى عدة أقطار عربية، مغربية ومشرقية.
إن شئت فقل إن العالم العربى بعد انكسار مصر وانكفائها استعاد فكرة الانتداب الغربى على رسم سياساته وإدارة شئونه، على نحو بدا قريبا من الانتداب الذى خضعت له فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى. وهو ما دعانى إلى القول ذات مرة حين سألتنى مراسلة مجلة «تايم» عن الخلافة الإسلامية، أن الرئيس الأمريكى صار خليفة المسلمين الآن. فهو يعين بعض «الولاة» أو يعزلهم ويرضى عن البعض ويسخط على الآخرين. كما أنه يرتب أمر حراسة «الولايات» التى تدفع له الخراج والجزية بشكل منتظم. ومن باب العطف على ولاته وحسن رعايتهم، فإنه يربت على أكتافهم بين الحين والآخر ويخاطبهم بحسبانهم أندادا له وأصدقاء.


