1- قدرات الإعلام..
يستطيع الإعلام ببساطة -متى أراد- أن يقلب الحقائق، وأن يشوه الخصوم أياً كانوا، وأن يحسّن من وجهه ومن صورته لدى الداخل والخارج، ويستطيع بهذا القصف الإعلامي أن يزود أتباعه بحجج يجترونها، ومنطق يروجونه، وشقشقة يتسلحون بها لإسكات الخصم، كما كانت تفعل وسائل فتح وغيرها سواء من الحركات أو من الدول. كل ذلك في ظل تراكم الخبرات الإعلامية وترداد الكذب -ولو مكشوفاً مفضوحاً- يمكن أن يغطي الحقيقة ولو إلى حين، لكنه على المدى البعيد ينقلب إلى النقيض. ألم تخض أمريكا حرب العراق في ظلال قصف إعلامي، وهجمة على العقول، وترويج جندت له أقوى وأكبر "وأخبر" (من الخبرة ومن المخبرين) وسائل الإعلام. ثم ماذا؟ ثم ذاب الثلج وبانت القبائح التي كانت لهذه الحرب والفضائح التي تضمنتها، وأين الآن رامسفيلد، وأين جورج بوش الصغير، فلينزلوا إلى الشارع ليراهم الناس فقط، كانوا "سيشرشحونهم"، ويمزقون جلودهم، والذي اصطنع البطولة منهم أصبح الآن طريدة لا يكاد يظهر ولا يستبين ولا يسمع له صوت، فالمهم إذاً النتائج والنهايات والعواقب والخواتيم.
والنظام السوري يستطيع أن يقنع نفسه بما يروج وأن يخدع قليلاً أو كثيراً الناس، لكن هذا الخداع على المدى الطويل (نسبياً طبعاً قد يكون شهوراً) لا بد أن ينكشف ويتجلى ما كان مخفياً ومختبئاً ومغطى. والإنسان أعلم الناس بحقيقة ما يخفي وما يعلن وإن تفنن في التبرير لنفسه وصفق انتصاراً بعد مرافعته الخادعة، لكنه في الداخل وفي أعماقه وخبيئته لا يحترم نفسه ولا يقر بعدالة موقفه فهو في الداخل مهزوز وإن تصنع الثقة والطلاقة.. وصدق مولانا في كتابه العزيز إذ قال: "بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره".
2- حكاية المندسين
لا أدري من هو الشيطان "الداسوس" الذي دس في القاموس الإعلامي وقواميس اللغة مفردة "المندسين". فما إن اندست ثَم حتى تدسست في كل قناة عربية ومحطة إذاعية ووسيلة إعلامية مقروءة أو مرئية.. وتدسست في تلافيف خلايا الدماغ في عقل كل مواطن عربي وعربية. وصارت مشجباً أو شماعة أو علاقة أو فزاعة أو تعلة أو ذريعة أو تكؤة أو ستاراً أو قناعاً..الخ. (هل لاحظت غنى اللغة وغزارتها ومرد كل ذلك إلى الاستخدام لأن المفردة التي لا تستخدم تموت وتعيش أنت، فكان أن أحيا إعلامنا هذه المفردة وإلا كانت ماتت وكان اللفظ قضى ومضى أو "يدسه في التراب" داسوس الأعراب وأداً بلا رحمة، لكن من أحيا مفردة فكأنما أحيا اللغة، فجزاهم الله(..) كل من أسهموا في إحياء لفظة فمنعوها من الموت أو الانتحار أو الوأد أو الدس والاختفاء والانزواء.. فكان هذا الإبقاء والإحياء لكلمة "التدسس" والاندساس وما اشتق من هذا الأساس).
هؤلاء المندسون لا ندري أياً منهم من يكون، هل هم من الجن أم من الشياطين أم من الملونين أم من المنافقين أم من الشبيحة شبحهم الله في لظى أو سجّين، أم هناك فعلاً ما يسمى جماعة المندسين، لكن الحيرة تلف العرب أجمعين من يدس هؤلاء المندسين، فلا يستطيع الإمساك بهم أحد في العالمين.. فيا أخي الشبيح الشبح.. على رأي حليم: "مَن تكون"؟ اظهر وبان عليك الأمان حتى يعرفك العربان.
وكيف لا تصل إليك اللواقط والرواصد وجماعة القرين؟ ومن يجرؤ أن يكذب الإعلام الرسمي؟ ومن يستطيع أن ينفي فكرة وجود هؤلاء؟ والعرب قالت من قديم ما قالت: "إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام" وإلا فإنه الضرب من تحت الحزام!؟ فاهم إنت وهوّه؟
3- الجماعات المسلحة
لا أدري هذه الجماعات من المندسين فهي كما يقال في البلاغة بعض من كل أو في النحو بدل اشتمال أو بدل كل من كل، أو بدل ما تحيّرونا دلونا على الصافي وهاتوا مرادكم بلا لف ولا دوران: نحن نريد إسكات الشعب ألم يرفع الشعب: الشعب يريد إسقاط النظام.؟ ونحن نريد إسكات الرأي العام. والطلق اللي ما يصيب يا خيّوه.. يصيب بالدوار! والكذبة لو "صدقا" عشرة في المية خير وبركة.. وصحتين على قلبك.. "مانن عاطلين".
وما هذه الجماعات المسلحة الموجودة في كل قرية ومدينة، وعندها القدرة على العيث والعبث والترويع وأحياناً احتلال المكان؟ وأين كانت أجهزة الدولة؟ ومن أين جاء هؤلاء المسلحون؟ أعبروا من كوكب آخر غير دري، الله لا يضرك؟ أم جاءوا من عند الجيران كما زعمتم؟!
واضح أن فكرة السلاح والتسليح استحياء لفكرة عسكرة الهبة الشعبية لتبرير البطشة النظامية الكبرى واستخدام الدبابات والمدفعية؟ ألم يستمت القذافي في جر الثورة السلمية إلى السلاح؟ ولو لم ينشق عناصر من الجيش لشقهم هو وأمرهم بقتل بعض الجنود، ليلجأ إلى الطيران والصواريخ والزوارق الحربية! ألم يستمت الصالح في فعل الشيء نفسه؟ بالمناسبة لقد اكتشفنا الآن سر الغرام بين النظام والعم سام وأن المذكور السامّ كان يدير البلاد بالتمام.. وما زال كما كان على الدوام!
4- اللعب على البعد الطائفي.
هذه لعبة قذرة مدمرة لا تقبل من أحد. وبخاصة إذا لعبها النظام. فهو مقتدر ويملك الوسائل والإعلام والمال والتعبئة والتجييش.. ويملك التزوير، والأنظمة متخصصة في هذا الشيء، بدءاً من تزوير الانتخابات في أتفه شأن إلى الانتخابات على مستوى رئيس الدولة! فما الرادع والمانع من التزوير في هذه القضية؟ ومن الخطأ والخطر الشديد الانجرار إلى هذا الشرك الذي قد يستهوي! وقد زلقت فيه بعض الأقلام، وضلت فيه بعض "الأعلام"!
النسيج الوطني لا يجوز العبث بمكوناته وتفكيك البنيان وتوهين الأوطان. هذا مقتل وجريمة لا تغتفر. وقد أحسن شباب الثورة إذ جعلوا شعار الثورة: "جمعة صالح العلي"، (ليس علي صالح). وصالح العلي هو أحد رموز العلويين. إشارة إلى أنها ليست ثورة طائفية، وإنما هي ثورة شعب مظلوم بكل تلاوينه وأطيافه.
5- التفريق بين ثورة سوريا والبحرين.
دأب الإعلام الدائر في فلك إيران على اعتبار الثورة في سوريا شأناً داخلياً، أي من حق سوريا أن تسكته وتعيد النظام على سابق عهده، دون أن يجوز لأحد أو يكون له حق التدخل. فإذا جئنا إلى ثورة البحرين ركزت الوسائل نفسها على العنف والقتلى والجرحى والرصاص.. علماً بأنه لا يقاس ما يجري في البلدين.. والظلم واحد.. وهو ظلمات على كل حال. وفي المقابل فإن الإعلام العربي الذي يقبع في الجهة المقابلة يعتبر ما يجري في البحرين تدخلاً أجنبياً يقتضي هبة عروبية واحدة (لم نعهدها ولم نشهدها عند أحد في أقدس قضايانا!!) وأما الشأن السوري فيغض الطرف عنه حتى يتم إسكات الأنام في دمشق الشام.. لتنام الأنظمة في العسل! وهنا يجتمع أهل السنة والشيعة تبارك الله! فلماذا هذا الازدواج؟ الحال في البلدين من بعضه، والشعب في البلدين مضطهد مقهور مظلوم. فلماذا إذا كان المظلوم شيعياً غضضنا الطرف معشر أهل السنة (جماعة علوش والقباني والحريري وفتفت ومن لف لفهم من السنيورة وكل المندسين زوراً في أهل السنة!)؟
وإذا كان المظلوم سنياً غضضنا الطرف معاشر الشيعة أفراداً وكتلاً وتنظيمات، وهذا الذي أفقد حزب الله كثيراً من الصدقية والرصيد! فكيف يناصر الثوارُ قاهرَ الشعوب؟ وقاتل الأبرياء الأحرار الذين أعلى مطالبهم: الحرية؟ هذا يجعل المرء يشك في المنطلقات والثوابت والتوجهات!
وبعد
فإن الله تعالى تعهد أنه "لا يهدي كيد الخائنين" وتعهد أن "الزبد يذهب جفاء" "وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" وجعلها قوانين في كونه الذي هو حق ككتابه. وتعهد أن يميز الخبيث من الطيب.. وتعهد أن العاقبة للمتقين، والفلاح للصابرين، والفوز للمتوكلين العاملين، وكم كرر القرآن "ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً"؟ قرابة من عشر مرات يجمع بين الظلم والكذب.
وكم طمأننا أنه ليس "غافلاً عمّا يعمل الظالمون"؟ وكم حذر من سوء عاقبة المكذبين: "فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين" وحسمت الأمر سورة يونس: "قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون" 69.
والعجيب أن رأس الصفحة ذاتها التي قبسنا منها الآية أعلاه، جاء في أعلى الصفحة من ذات السورة: "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم. ولا يحزنك قولهم، إن العزة لله جميعاً، هو السميع العليم." يونس 62-65.
وليس بعد كلام الله كلام. فلتسكت كل الأصوات. وليسكت كل الإعلام. وليسقط كذب الإعلام.

