الأحد 18 يناير 2026 الساعة 05:56 ص

مقالات وآراء

أردوغان وحزبه.. دلالات وبرهان فوزه في البرلمان

حجم الخط

كيف استطاع حزب العدالة والتنمية تحقيق هذه الانتصارات المتتالية في الفوز بالانتخابات البرلمانية؟؟ولماذا تزداد شعبيته يوما بعد يوم؟؟وهل من دلالات لهذا الفوز الكبير؟؟

 

أسئلة عدة أطرحها في بداية مقالتي هذه، بحاجة لإجابات مقنعة، فلطالما تساءل بها الكثيرون، وللإجابة عليها لابد من الوقوف على أهم العوامل التي من خلالها نستدل على نتائج ذلك كله.

 

أولا: فوز يتوالى وشعبية تتزايد:

 

لقد حقق حزب العدالة والتنمية وعلى مدار عشر سنوات تحقيق فوزه في الانتخابات البرلمانية وذلك للمرة الثالثة على التوالي، وبنسب تزيد على سابقتها، فاليوم يفوز الحزب بأكثر من 50% من المقاعد، هذه النسبة التي تشير لتزايد شعبيته في أوساط الشعب التركي، مقارنة بالانتخابات البرلمانية السابقة في عام 2007 والذي حقق فيها فوزاً بنسبة 47%، ومن قبلها عام 2002 والتي حصل فيها على نسبة 34%  من مقاعد البرلمان .

 

إذن شعبيةٌ في ازدياد، استطاع فيها حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان أن يصل فيها إلى حكم البلاد، هذا الحكم الذي اتسم بالازدهار والتقدم والانتقال بتركيا من دولة يكتنفها الفساد وتقتلها الديون إلى دولة تعد الآن من أقوى الدول الاقتصادية في العالم، ليس ذلك فحسب بل صاحبة مركز سياسي ودولي كبير له تأثيراته في الآخرين.

 

وإنها لدلالة واضحة ورسالة قوية يرسلها هذا الحزب صاحب الفلسفة الإسلامية للغرب الذي يعتبر أن الإسلام دين لا يصلح  للحكم لأنه يتنافى مع تعاليم الديموقراطية المزعومة التي ينادون بها، فهاهي التجربة الإسلامية في الحكم نجحت في تحقيق الرقي والتقدم والازدهار ليس إلا من خلال تعاليم إسلامهم الذي شمل كل مناحي الحياة، فالإسلام هو الأجدر في معرفة متطلبات الحياة وحكم البلاد، وهذا ما استطاع رجب طيب أردوغان أن يثبته.

 

ثانيا:السياسة الخارجية لتركيا:

 

عند حديثنا عن السياسة الخارجية لتركيا التي يحكمها حزب العدالة والتنمية، فإننا نقصد هنا سياستها تجاه العالم أجمع سيما الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط خاصة "إسرائيل" وفلسطين.

 

يقول السيد أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية التركي والذي يلقب بمهندس السياسة الإستراتيجية التركية الجديدة، إن الاتحاد الأوروبي والناتو هما المركّبان والعنصران الأساسيّان للاستمرارية في السياسة التركية الخارجية، حيث أنجزت تركيا داخل هذه التحالفات، عهد حكومة حزب العدالة والتنمية صاحبة العشر سنوات، أكثر مما فعلت في الأربعين سنة الماضية.

 

وبما أن السياسة الخارجية التركية وأهداف الاتحاد الأوروبي متناسقان فلماذا الامتناع إذن عن ضم تركيا للاتحاد الأوروبي؟؟!!

 

لابد أن ننتبه جيدا أن الأوربيين يعتقدون أنه لا مكان لبلد مسلم في جماعة ذات قيم مسيحية غربية، عوضا عن ذلك التخوف الذي ينتاب قادة الاتحاد الأوروبي الذين يعتبرون الإسلام شبحا من الممكن ان يقضي عليهم مستقبلا، وما يدلل على ذلك تصريح رئيس هيئة الإصلاح الدستوري للاتحاد الأوروبي فاليري جيسكارد ديستان الذي صرح بأن التحاق تركيا بالاتحاد الأوروبي "سيكون نهاية الاتحاد الأوروبي".

 

ومع هذا وذاك، فان تركيا بقيادة أردوغان ترى أنها قد اقتربت واقتربت جدا من انضمامها للاتحاد الأوربي، بغض النظر عن معرضة هنا أو هناك، فبعد أن كان ذلك مستبعدا من الغالبية العظمي، اليوم أصبح هناك انقساما داخل الاتحاد الأوروبي الأمر الذي يوحي بتطور الموقف واحتمالية تحقيقه مستقبلا،فتركيا الآن دولة عظمى لها من أوراق القوة ما تمهدها لذلك.

 

كما أن السياسة الخارجية لتركيا امتدت للشرق الأوسط أيضا، فهي لاعب جديد ومحوري فيها الآن، حيث يرى وزير خارجيتها أحمد داود أوغلو أن الشرق الأوسط كان وسيبقى حجر الأساس في سياسة تركيا.

 

وقد برز دور تركيا في تطور علاقاتها مع الشرق الأوسط سيما فلسطين، بدعمها المباشر سواء المادي أو المعنوي، ولا يخفى على أحد الموقف البطولي الذي برز في مساندة تركيا شعبا وحكومة لفلسطين سيما قطاع غزة منها، وما قدمته من دماء على متن سفينة مرمرة التي أبحرت نحو غزة لتفك الحصار عنها، ونحن على  موعد بقرب وصول أسطول الحرية الثاني المتوقع وصوله نهاية الشهر الجاري. إنها دلالات وشواهد على الإصرار التركي لنصرة المظلومين ورفعتهم.

 

فلقد ضحت تركيا بدولة الاحتلال الإسرائيلي في سبيل الوقوف إلى جانب الحق ودعم القضية الفلسطينية التي هي إسلامية محضة، فرجب طيب أردوغان رجل مسلم وصاحب فكر إسلامي، له الحق في القدس كما لنا، ولقد تجلى ذلك واضحا فور إعلان فوز حزبه في الانتخابات عندما قال "إن هذه الانتخابات هي نصرٌ للشعب التركي، وعندما تنتصر أنقرة تنتصر رام الله والقدس ودمشق"

ففسلطين في ذاكرته ووجدانه، لن يتخلى عنها أبدا، فلطالما نادى بالحرية والديموقراطية التي كانت قولا وفعلا في حياته، وليس شعارا يتخذه، كما يفعل الكثيرون، وفلسطين هي أحوج ما تكون لهذه الحرية.

 

ثالثا:تركيا في انتظار دستور مدني:

 

اتسم حكم تركيا بدستور عسكري تم سنّه في ظل الانقلاب العسكري الذي وقع عام 1980، ولازال هذا الدستور يحكم البلاد حتى الآن، الأمر الذي يعتبر عقبه من عقبات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي فهو يطالب بصياغة دستور جديد يضمن الحريات الديمقراطية بموجب معايير الاتحاد الأوروبي

 

فهو التحدي الأكبر أمام أردوغان في المرحلة القادمة، والذي سيكون نقطة تحول كبرى ومفصلية في تاريخ تركيا، خاصة بعد أن نجح في الاستفتاء على تعديل الدستور الذي يحد من نفوذ السلطة القضائية والجيش.

 

فحزب العدالة والتنمية، استطاع تحقيق التنمية لبلاده كما وعد بذلك، ونحن على موعد مع تحقيق النصف الآخر من شعاره ألا وهي العدالة، التي يسعى لها من خلال دستور جديد يحفظ لتركيا وشعبها الكرامة والتنمية والعدالة.

 

وخلاصة ما سبق، فان حزب العدالة والتنمية صاحب الفلسفة الإسلامية قد نجح وبامتياز في تحقيق آمال الشعوب ومتطلباتها وتلبية احتياجاتها وأمنياتها مبددا بذلك افتراءات الغرب ومن هم على شاكلتهم من حكم الإسلاميين والذين اخذوا فرصتهم وحريتهم في تنفيذ وتحقيق برنامجهم الانتخابي ووعودهم الموعودة، فأطلقوا العنان والحرية لأصحاب الفكر والفلسفة الإسلامية، فسترون ما يسركم، وليس أردوغان عنّا ببعيد.