من المعروف الآن أن الإناث يعشن في المتوسط أكثر من الذكور بسبع إلى ثماني سنوات ويتفوقن بالنطق، وهن أنشط في إثارة مواضيع للبحث، وميلهن أكثر للطاعة، وعدم اعتماد العنف والروح التعاونية، وأن المرأة هي التي بدأت رحلة الثورة الزراعية في التاريخ, وأنها من تدبّر البيت وتنقل الثقافة للطفل.
وعرف من خلال الدراسات الانثروبولوجية أن هناك ثلاث مناطق في العالم يعمّر فيها الناس كثيراً هي (فيلكا بامبا) في الاكوادور، والهونزا في باكستان، ومرتفعات القوقاز (جورجيا) كما عرف قانون متناقض في علاقة الطعام بالعمر؛ فمن يأكل كثيراً لا يعمر طويلاً، ومن أكل كثيراً شرب كثيراً, ومن شرب كثيراً نام كثيراً ولم يكن من الفالحين.
وطول العمر مرتبط بقلة الكالوري المتناول، كما عرف أن حياة الكائنات مرتبط بالاستقلاب العام وضربات القلب؛ فالله منح الكائنات عدداً محدوداً من ضربات القلب يصل إلى المليار في متوسط العمر؛ يستهلكه الكائن كما يحلو له، ويحدد أجله مع نفاد الاستهلاك، وهكذا فالفأر والأرنب تضرب قلوبهم 350 إلى 500 ضربة في الدقيقة فيعيشون سنوات قليلة، ويعيش الكلب 18 سنة والشمبانزي 35 سنة، والحصان 40 سنة.
ويشكل الإنسان استثناءً لهذا القانون بقانون آخر نوعي؛ فكافأه الله بقريب من أربعة أضعاف المدة المفروض أن يعيش خلالها، فلو عاش الفرد وعمَّر 105 سنوات فإن قلبه يضرب 3,5 مليار ضربة في المتوسط.
واليوم يكتشف الطب حقيقة مزلزلة حينما عثر على قدر (جيني) حيث برمجت حياتنا بشكل محدد من خلال انقسام خلوي محدد ولكل أجل كتاب، هي في المتوسط 50 إلى 70 انقساماً مثل دقات الساعة والمنبه، فإذا انقضت واختتمت الانقسامات رن المنبه (الجيني) بفرق أننا نستيقظ هنا على صدمة الموت، ومن المتوقع أن يصل 20 % من شعب أمريكا إلى عمر 65 سنة مع العقود القادمة.
ولكن جرت العادة أن كل واحد من مائة ألف من الناس من يصل إلى عمر المائة سنة، وأن من يقفز إلى 105 سنوات هو واحد من مليون فرد، ولكن من يمتد به العمر إلى 110 سنوات هو واحد من كل أربعين مليون نسمة، في قدر واضح أن آجالنا مرسومة ضمن قرن واحد لا يزيد، كما بكى على ذلك الإمبراطور الفارسي كزركسيس في القرن الخامس قبل الميلاد وهو يعبر مضيق الدردنيل، ويرى جيشه العرمرم لا يبقى منه أحد بعد قرن سواء في ساحات القتال أم بالموت الطبيعي.
ويبدو أن قمة المعمرين مقترنة بقمم الجبال في مرتفعات جبال الانديز في الاكوادور في أمريكا الجنوبية، والأماكن الوعرة من باكستان وأعالي القوقاز، وتبين من خلال الدراسات الانثروبولوجية أن هناك ثلاثة أسرار خلف العمر الطويل: طعام قليل السعرات الحرارية بمتوسط 1500 كالوري مقابل 3300 كالوري للفرد السمين, وهذا يوحي بمصيبة الترف مرتين: بالطغيان النفسي والفساد البيولوجي.
والأمر الثاني عمل شاق في أرض فقيرة إلى سنوات العمر المتأخرة.. وأخيراً الاستمرار في الحضور الاجتماعي كمستودعات للحكمة والاستشارة، وهو ما فقده المرء في مجتمعات الحضارة المتقدمة، كما عبّر عنه الكاتب الأمريكي الفين توفلر في كتابه (صدمة المستقبل) بسبب تسارع التقدم العلمي، وفقدان التكيف مع زخمه الجبار، ودمدمة الزلزال العلمي الذي لا يكف عن إرسال اللافا بمعدلات تسارعية مرعبة.
