مرت الأيام الأولى على اندلاع الثورة المصرية العظيمة، ولم تهدأ الحالة الثورية، فهناك مشاهد لا تخطئها العين تدل على أن البعض ما زال يريد استمرار الثورة دون هدوء، ولا يدرك أن الثورة تحتاج إلى عمل وبناء واسترداد مؤسسات الدولة.
هناك الاحتجاجات الفئوية التي يريد أصحابها -عن حق- الحصول على حقوقهم المهدرة منذ عقود، ولكنهم ينسوْنَ أن إطاحة رئيس أسهل من تدبير الموارد اللازمة، وتنظيم استحقاقاتها لتوزيع عادل للثورة. الإطاحة يكفيها ثورة بالملايين، يتدفقون في الشوارع والميادين ليعتصموا فيها أيامًا وليالي، أما الموارد وتوزيعها فتحتاج إلى دولة مؤسسات، وعمل وإنتاج.
هناك الاحتجاجات السياسية التي تريد استكمال إنجازات الثورة، وتحقيق أهدافها في ظل إحساس عام بأن هناك نظامًا قديمًا تغلغل في بنيان مؤسسات الدولة بصورة لم يسبق لها مثيل. فالإعلام القومي -كما كان يُطلق عليه- كما هو، لم يتغير كثيرًا، والمجالس المحلية يتآمر أعضاء الحزب الوطني بها على الثورة، وجهاز الأمن الوطني لا زال يمارس تقريبًا نفس دور جهاز أمن الدولة السابق، حتى قوائم السفر والوصول في المطارات والموانئ لم يتم مراجعتها، فقط تم تسهيل إجراءات السفر والدخول، وعبر اتصال تليفوني كما حدث معي شخصيًا في سفرتين بينهما شهرين. والسياسة الخارجية الجديدة تتحرك ببطء شديد، تُرسل الرسائل، ولا تحقق التغيير.
لذلك كان لا بد من مليونيات التحرير للضغط من أجل التغيير، ويدرك الثوار هنا أن إسقاط النظام لا يعني مجرد إزاحة رأس النظام، أو حكومته، أو الإطاحة ببرلمانه المزور، ولا حتى حبس عائلة الرئيس بتهم جنائية كالتربح والسرقة والاستيلاء على المال العام.
ولكن الثوار عليهم أن يدركوا أن بناء النظام الجديد يحتاج إلى عمل متواصل، وجهد جهيد، ينطلق من توافق وطني، وشعور بالمسؤولية عن وطن وشعب، وأن الدور الرئيسي الآن يجب أن يُرَكِّز على استرداد مؤسسات الدولة جميعًا من يد اللصوص والأفاقين.
هناك الاقتراحات التي لا تنقطع، والأفكار التي تتواصل لإخراج البلاد من عهد طويل من الاستبداد والفساد، إلى عهد جديد من الديمقراطية التي تؤدي إلى الاستقرار الحقيقي، والتنمية المستدامة، ودولة القانون، واحترام حقوق الإنسان، واستقلال القضاء، والعدالة الاجتماعية، وحماية الضعفاء.
اقتراحات يمكن أن نطلق عليها أنها ثورية، تقفز على الإرادة الشعبية، أو تختصرها في نخبة ضيقة تريد أن تصدق نفسها أنها وحدها القادرة على القيادة، ووصل بها الأمر إلى المصادرة على أبسط الحقوق السياسية للشعب بحجة قصور الناس عن الفهم، وعدم إدراكهم للواقع أو سقوطهم في براثن فئات تضللهم وتخدعهم.
يريد هؤلاء حرمان نصف الشعب من حق التصويت الكامل فاخترعوا -ويا ويل ما اخترعوا- فكرة أن الأميّ له نصف صوت، بينما للمتعلم صوت كامل، وقد يصل الاختراع إلى مداه، فنرى للمثقف صوتا ونصفا، ثم للمبدع صوتين، ثم للقائد الملهم الثوري عشرة أصوات مثلاً. كل ذلك لتعويض انفصالهم عن الشعب.
ويعيش بعض هؤلاء عصورًا سابقة، فيتخيل عودة مجلس قيادة الثورة باسم جديد هو «مجلس أمناء» أو «حكماء الثورة»، كما يريد تنصيب رئيس عسكري جديد دون انتخاب، ويريد فرض دستور على الشعب بواسطة لجنة غير منتخبة، وإعادة ما سماه الزعيم سعد زغلول «لجنة الأشقياء». عودة إلى الوراء بينما يتهمون الآخرين بأنهم رجعيون وظلاميون.. إلخ.
ينسى هؤلاء أنهم كرروا على أسماع الشعب المصري العظيم مرارًا وطويلاً أنه القائد، وأنه المُعَّلِم، وأنَّه البطل، وينسون الحقيقة الساطعة أن المصريين الفقراء الأميين هم الذين صنعوا حضارة مصر العظيمة منذ بنوْا الأهرامات وحفروا قناة السويس، وشيدوا المصانع والمدارس والجامعات، وسرعان ما نسوْا أن الشعب هو الذي صنع ثورته هذه المرة، ولم يسلمها إلى ضباط أو مفكرين، وأن الشعب يتابع هذه النخبة، وهؤلاء المفكرين، وله عليهم ملاحظات عديدة أبسطها أنهم لا يعيشون معه، ولا يعانون معاناته، و أنهم منفصلون متغربون حداثيون، يحتقرون الناس البسطاء، ويخافون منهم في نفس الوقت.
نعم هذه هي الحقيقة وراء كل تلك الاقتراحات التي تأتي من الأبراج العالية. إن هذه النخبة تخاف الشعب وتخشاه، تتكلم دائمًا باسمه، ولا تعرفه حق المعرفة، تريد منه التسليم لها دون مناقشة، وتفرض عليه الوصاية. تَدَّعِي العلم والمعرفة والإبداع، وهي في الحقيقة أبعد ما تكون عن إدراك عمق هذا الشعب وقدراته. ينسى هؤلاء أن الشعب بمكوناته الأصلية من قبائل وعائلات وأسر تتفاعل مع بعضها البعض، وأن شباب تلك العائلات من الطبقة الوسطى قادرون على التمييز بين الغث والسمين، بين المخلصين والمخادعين، بين المعارضين الحقيقيين، وبين الذين عاشوا في كنف النظام السابق ـرجالاً ونساءًـ وارتقوْا في سلك السلطة ومجالسها ومؤسساتها، وتمتعوا بفتات الثروة التي تساقطت من بين أيدي مبارك وعائلته وحاشيته، بل تقاتلوا أحيانًا عليها، وتصدروا المجالس والهيئات، ويريدون اليوم أن يعيدوا سيرتهم الأولى في الكذب والخداع والتضليل، والشعب لا ينسى أبدًا، وإن صبر طويلاً -كما حدث مع مبارك- فلا بد أن ينتفض أخيرًا، وإن احتاج الأمر إلى ثورة، فهو وحده صاحب القرار.
هذه الحوارات الطويلة ليلاً في برامج «التوك شو»، وهذه المقالات الطويلة نهارًا في «جرائد القوم الثوريين»، وهذه الندوات التي لا تنقطع حول قضايا تمثل الأولويات لدى هؤلاء جميعًا، تريد أن تصرف أذهان الناس عن الحقائق الثابتة التي يعيشها المواطن المصري.
حوارات عن الدولة الدينية وتلك المدنية، عن الفتنة الطائفية، عن حقوق المرأة، عن الفزاعة الجديدة، قضايا كثيرة، بعضها هام، وبعضها أهم، وبعضها ليس له أولوية في اهتمام الناس في بلادي. صفحات وحوارات تشبع في الناس شهوة الانتقام والتشفي، وتشيع في الناس روح اليأس والقنوط، وتصرف أذهانهم عن بناء دولتهم، واسترداد ثرواتهم، وتحقيق العدل فيما بينهم.
بينما الناس تتحدث عن تحديات أخرى: إرساء العدل، وبناء الاقتصاد، واستعادة الأمن، وتنشيط هيئات المجتمع الأهلي، وإصلاح التعليم، وبث روح البحث العلمي، وتشجيع الابتكارات والاختراعات، وتوفير الخدمات الصحية، وبث الأمل والتفاؤل، وتشجيع العمل والإنتاج.
أيها المثقفون، عودوا إلى الشعب، أفيقوا يرحمكم الله، ثقوا فى أنفسكم وثقوا فى شعبكم، وثقوا أولا وأخيرا فى الله ربكم.


