الأحد 25 يناير 2026 الساعة 10:53 م

مقالات وآراء

المصالحة والردود الإسرائيلية

حجم الخط

لقد وقع إعلان الاتفاق بين حماس وفتح على "إسرائيل" وقع الصدمة والذهول، حيث أدرك صناع القرار في تل أبيب أن تطبيق الاتفاق بنجاح بشكل يؤدي إلى إنهاء حالة الانقسام يؤذن بخسارة "إسرائيل" كل المكتسبات الإستراتيجية التي حققتها خلال الأعوام الخمسة التي تلت الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جاءت بحركة حماس إلى الحكم، وما تلاه ذلك من صدامات أدت إلى الانقسام الفلسطيني.

 

خسائر إسرائيلية بالجملة

فقد مكن الانقسام "إسرائيل" من تحقيق المكاسب التالية:

 

1- سمحت حالة الانقسام لـ"إسرائيل" من سلب الفلسطينيين الإنجاز الوحيد الذي ضمنته اتفاقيات أوسلو، وهو الحفاظ على الوحدة السياسية للضفة الغربية وقطاع غزة، حيث كرس الانقسام الفصل بين هاتين البقعتين، حيث مكن هذا الواقع "إسرائيل" من الانفراد بالضفة الغربية عبر الاستيطان والتهويد المتواصل والمنهجي. وقد أسهم انشغال القيادات الفلسطينية في كل من الضفة الغربية وقطاع بمواجهة التحديات الناجمة عن الانقسام في مواصلة مشاريع التهويد والاستيطان في ظل أقل مستوى من الممانعة الفلسطينية الحقيقية، والرقابة الدولية.

 

2- استخدمت "إسرائيل" الانقسام كذريعة لتنكرها للوفاء بمتطلبات عملية التسوية والمفاوضات مع السلطة عبر القول إنه لا يمكنها التوقيع على اتفاق تسوية مع أبو مازن، يتضمن الانسحاب من الأراضي المحتلة على اعتبار أنه لا يمثل الشعب الفلسطيني.

 

3- وظفت "إسرائيل" حالة العداء الشديد لدى حركة فتح وقادتها في أعقاب الحسم العسكري في غزة أوساط عام 2007 لدفع التعاون الأمني بين أجهزة السلطة الأمنية و"إسرائيل" إلى مستويات غير مسبوقة، بشكل أسهم إلى حد كبير من تحسين البيئة الأمنية داخل "إسرائيل" وفي المستوطنات، ما أدى بدوره إلى تعاظم نسبة اليهود الذين يتجهون للإقامة في المستوطنات بفضل الشعور المتعاظم بالأمن. وحتى قادة المستوطنين فقد أقروا بدور أجهزة الأمن التابعة للسلطة في تعاظم المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية.

 

4- مكن الانقسام "إسرائيل" من فرض الحصار على قطاع غزة مستفيدة من تواطؤ الكثير من الأطراف، وضمنها السلطة الفلسطينية.

 

5- تدرك "إسرائيل" أن المصالحة ستزيد من رقعة التأييد الدولي للتحرك الفلسطيني الهادف إلى حشد أكبر دعم دولي لإعلان الدولة الفلسطينية في سبتمبر القادم، على اعتبار أن المصالحة ستظهر الفلسطينيين كموحدين.

 

ماكينزمات التحرك الإسرائيلية

إزاء خسارة "إسرائيل" المتوقعة لمكاسبها التي جنتها من الانقسام، فإنها لن تقف مكتوفة الأيدي، وستعمل على احباط تطبيق اتفاق المصالحة بكل ما أوتيت من قوة. وستلجأ "إسرائيل" لاستخدام كل الأدوات الممكنة لإفشال الاتفاق عبر الخطوات التالية:

 

الضغوط السياسية

يتضح من الحملة الدعائية الإسرائيلية المركزة والمكثفة التي أعقبت الإعلان عن اتفاق المصالحة أن تل أبيب ستحرص في المرحلة القادمة على محاول نزع الشرعية عن الحكومة الانتقالية التي سيشكلها الفلسطينيون، كما ينص اتفاق المصالحة، حيث ستثير "إسرائيل" شروط اللجنة الرباعية، المتمثلة في ضرورة اعتراف الحكومة بـ"إسرائيل" والاتفاقيات الموقعة بين "إسرائيل" والسلطة، ونبذ المقاومة بوصفها "إرهاباً". وستدعو "إسرائيل" الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للحكم على الحكومة الجديدة بقدر التزامها بمواصلة التعاون الأمني وتعقب المقاومة. فعلى سبيل المثال اعتبر ليبرمان إن قيام السلطة الفلسطينية بإطلاق سراح عناصر حركة حماس من سجونها مجرد "تآمر" على المس بأمن "إسرائيل"، مع العلم أن معظم قادة وعناصر حماس في سجون السلطة تم اعتقالهم من قبل الأجهزة الأمنية بعيد إفراج الجيش الإسرائيلي عنهم، أي إن "إسرائيل" أفرجت عنهم إما بعد انتهاء فترة محكومياتهم، أو بعد أن تبين لها أنه لا يوجد ما تدينه بهم. وتتوقع "إسرائيل" أن يتفهم العالم موقفها هذا. ومن نافلة القول إن "إسرائيل" ستحاول وضع أعضاء الحكومة الانتقالية تحت المجهر، وستحاول استغلال كل ما يربط وزراء الحكومة بحركة حماس من أجل العمل على شيطنة الحكومة بأسرها. وسيطالب الإسرائيليون العالم بفرض مقاطعة سياسية على قيادة السلطة ممثلة في رئيسها عباس، وستزعم أنه "عضو جديد في محور الشر".

 

الضغوط الاقتصادية

ستسعى "إسرائيل" أن تثبت للفلسطينيين سيما في الضفة الغربية أن أوضاعهم لن تزداد إلا سوءًا في ظل المصالحة، حيث ستحاول اقناع الدول المانحة بالتوقف عن تقديم الدعم المالي للسلطة، بحيث تصبح السلطة عاجزة عن دفع رواتب الموظفين، ما يؤدي إلى تردي الأوضاع المعيشية في الضفة. وقد أعلنت "إسرائيل" أنها تدرس التوقف عن المشاركة في اجتماعات الدول المانحة لتعطيل تحويل الأموال لخزانة السلطة. وفي المقابل تهدد "إسرائيل" بالتوقف عن تحويل عوائد الضرائب التي تجنيها عن البضائع المستوردة للمناطق الفلسطينية لخزانة السلطة، مع العلم أن الحديث يدور عن عشرات الملايين من الدولارات في الشهر الواحد. وستعمل "إسرائيل" على التأثير بشكل غير مباشر على الأوضاع الاقتصادية عبر فرض قيود على حرية الحركة في الضفة الغربية لضرب عمل المرافق الاقتصادية وتراجع معدلات النمو، إلى جانب المس بالعمل في الكثير من المشاريع الإنشائية ومشاريع البنى التحتية التي شرع فيها في كثير من مناطق الضفة الغربية، وذلك للوصول إلى نفس الهدف.

 

الضغوط الأمنية

لن تتردد "إسرائيل" في استخدام الحلول العسكرية لإحباط المصالحة، سيما عبر توظيف أي عمليات إطلاق صواريخ تتم من قطاع غزة تجاه "إسرائيل"، حيث ستطالب العالم بالتعاطي مع هذه الحوادث كاختبارات للحكومة الفلسطينية الانتقالية وذلك لاستدعاء الضغوط الدولية ولنسف شرعيتها مبكراً. ومن الواضح أن هناك فيض من الوسائل التي ستحاول "إسرائيل" عبرها جر الفلسطينيين لهذا المربع. فـ"إسرائيل" ستراهن على سلوك بعض المجموعات غير المضبوطة في قطاع غزة والتي تحرص على إطلاق الصواريخ في أكثر الأوقات حرجاً للساحة الفلسطينية. وفي حال لم يكن هناك من يوفر الذرائع لـ"إسرائيل"، فإنها ستلجأ إلى استفزاز الفصائل الفلسطينية عبر القيام بعمليات اغتيال بزعم توفر معلومات استخبارية مفبركة حول نية الفصائل القيام بهذا العمل أو ذاك لكي تستدرج الفصائل لردود فعل، وبالتالي يتسنى لها حشد دعم دولي لمواقفها ضد الحكومة الجديدة.