فى البداية أود أن أوضح أنني، وأنا أسرد هذه الذكريات، أريد وضع بعض النقاط على الحروف:
أولا: لا أشمت أبدا في إنسان، فبعد أن ذقت الظلم والقهر، لا أريد أن يتم ظلم بشر ولو كان ضابطا سابقا في جهاز أمن الدولة. المهم هو الحساب العادل، وإذا كان البعض منهم يتعلل بعدم مسؤوليته لأنه كان تابعا لمسؤولين أعلى منه، فستظل هناك الضوابط القانونية والإنسانية التي تحكم عمل كل موظف عام، وسيظل الحساب الأكبر أمام الله عز وجل الذي لا تخفى عليه خافية.
وقد تعجبت في أحد اللقاءات التلفزيونية من حكمة الله تعالى فقد هددني أحد القيادات الأمنية أثناء القبض علىّ صبيحة يوم الجمعة 6/5/2005م وسيأتي تفصيل ذلك في سياقه، بأنني سألبس الملابس الزرقاء، بما يفيد أنه أعد قضية محكمة لإحالتي وضيوفي إلى المحكمة العسكرية والأحكام جاهزة معدة سلفا، وذلك لأنني نبهت زوجتي إلى تجهيز حقيقة بها ملابس بيضاء خاصة بالحبس الاحتياطي، وقلت في الحوار التليفزيوني إنه الآن في سبيله إلى لبس الملابس الزرقاء.
لم تكن هذه شماتة أبدا، فليس ذلك من طبعي، ولكنه التعجب من تصريف الله للأمور.
ثانيا: في حوارات متعددة مع قيادات أمنية في أمن الدولة كان جوابهم باستمرار أنهم في خدمة النظام، أي نظام يحكم، وأنهم سيقومون بخدمة النظام الحاكم حتى لو كان من الإخوان المسلمين.
وذكر لي الأخ الصديق الأستاذ عبدالمنعم عبدالمقصود أنه سأله أحدهم: أين يكون مصيرهم إذا وصل الإخوان للحكم أو زال نظام مبارك؟
فقال له سنتبادل المواقع.
تذكر الأخ عبدالمنعم هذا الحوار أثناء حوار المجلس العسكري مع القيادات السياسية والذي حضره فضيلة المرشد العام الأستاذ الدكتور محمد بديع، وكانت قيادات أمن الدولة في محبسها بأكاديمية الشرطة.
ثالثا: إذا لم تتغير السياسات والفلسفة التي حكمت عمل الشرطة عامة وجهاز أمن الدولة خاصة عبر العصور المختلفة، فإن ريما ستعود إلى عادتها القديمة كما يقول المثل السائر.
فقد ظل هذا الجهاز منذ نشأته يعمل لحماية النظام الحاكم ولبس للمصلحة الوطنية العليا، وأعتقد أن التحول إلى نظام حكم ديمقراطي يقوم على النظام البرلماني، بما يعني إمكانية تغيير الحكومات بسهولة وفي ظل رقابة برلمانية شديدة وأخرى شعبية أشد، يمكن أن نصل إلى صيغة وطنية لعمل الجهاز تحتاج إلى عدة ضوابط أهمها:
• استقلالية الجهاز عن الحكومة.
• عدم تدخل الجهاز في الحياة اليومية للمواطنين.
• عدم تدخل الجهاز في الحياة السياسية والحزبية.
• حصر وظائف الجهاز بدقة شديدة.
• نقل كافة العاملين بالجهاز، خاصة القيادات العليا والوسيطة إلى إدارات شرطية أخرى.
• تأهيل عدد كاف من الضباط على المهمة الجديدة والسياسة المقترحة.
• وجود جهاز رقابي داخل وزارة الداخلية يتابع بدقة مصرفات الجهاز الجديد والمحاسبة الفورية على أي انحرافات.
• الرقابة الشعبية والبرلمانية القوية لتصحيح أي خطأ أولا بأول.
بعد مبيت ليلة واحدة في سجن استقبال طرة الذي تحول بعد رحيل المتحفظ عليهم في 3 سبتمبر إلى سجون أخرى أهمها: أبو زعبل، ملحق المزرعة، ليمان طرة، تحول الاستقبال إلى باستيل للتعذيب أو احتجاز للسحب منه من الأبواب الخلفية دون تدوين في السجلات للقتل خارج القانون أحيانا، أو مع تدوين البيانات عند الانتقال إلى سجون أخرى.
كان التحقيق يتم أولا في مبنى الإدارة والملحق بالمستشفى الصغير كما أخبرني أخي عبدالمنعم أبو الفتوح الذي تم معه تحقيق في سجن الاستقبال قبل نقله إلى ليمان طرة ليقضي فيه بقية السنة حتى الإفراج عنه بصحبة أخي حلمي الجزار، وأشهر ضيوف الليمان آنذاك الشيخ المحلاوي والشيخ يوسف البدري حفظهم الله وكان تم اعتقالهما مع آخرين قبل أحداث سبتمبر الشهيرة، ونال المحلاوي من سباب السادات الكثير في خطبته الشهيرة إلى حد وصفه بأنه "مرمي مثل "الكلب" في السجن"؛ ما أثار حنق وغضب معظم المصريين، أما الشيخ البدري فقد قاد مظاهرة من مسجد الدار الآخرة، بحدائق حلوان معترضا على سياسات النظام أو اعتقالات سبتمبر، الله أعلم.
وكان معهد أمناء الشرطة القريب من السجن هو ساحة أخرى للتعذيب البشع إذا لزم الأمر، خاصة في قضية الانتماء لتنظيم الجماعة الإسلامية أو الجهاد.
لم أتعرف خلال الليلة العصيبة في سجن الاستقبال إلا على الأخ محمد حسن الكريمي من الإسماعيلية، وبقية الـ20 في الزنزانة التي لا تحتمل إلا عشرة، فقط كانوا شباب حديثي السن عليهم آثار التعذيب، وفي وجوههم رعب لا يتصوره عقل.
حاولت تهدئتهم قدر ما أستطيع، ولم أمكث معهم إلا سواد الليل، وفي صباح اليوم التالي كان النداء علي من جديد، ولا قدرة لك على السؤال: إلى أين؟ أو هل أحضر أمتعتي؟ كانت أمتعتي هي شنطة هاندباج بها غياران وفوطة، وكنت ألبس جلابية صيفية حيث لم أحمل معي عند الاستدعاء إلا هذا القدر من الملابس، والباقي تم تركه في زنزانتي الأولى يوم 16/10 عند مغادرتها.
توجهت سيارة الترحيلات الكئيبة إلى جهة القلعة، فعرفت أنني ذاهب إلى مسلخ آخر أشد قسوة.
كانت المسالخ عديدة: بعضها يحقق في اغتيال السادات، وبعضها في أحداث أسيوط، وبعضها في قضايا الانتماء وللجماعة الإسلامية أو الجهاد وبعضها حول الأحداث عامة وعلاقة بعض الأطراف بها.
الظاهر أن سجن القلعة كان مخصصا للتحقيق في قضايا الانتماء والعلاقات الأخرى.
مكثت في العراء معصوب العينين دون مصحف ولا ملابس إلا ما على جسدي الذي كان نحيلا وقتها من غيار داخلي وجلابية صيفية في أوائل شهر نوفمبر وفي القلعة التي ترتفع عن أسطح الأرض بحوالي أكثر من مئة متر.
ظللت يومين واقفا لا أجلس، أصلي في مكاني أسبح وأذكر الله أستمع إلى أنات المعذبين وصرخاتهم من حولي.
قبل نهاية اليومين سمعت من يهمس في أذني بصوت رخيم لا انفعال فيه: أهلا وسهلا، بقالك كم ساعة أو كم يوم؟
أجبته: يومان.
قال: نريد أن نجلس معا جلسة روحانية أو قل: جلسة إخوانية؟ ثم أمر أن يذهب بي الحارس إلى حجرة التحقيق.
كان -كما علمت فيما بعد- محمد عبدالفتاح عمر الذي أصبح نائبا فيما بعد بمجلس الشعب، وذكرته مرارا بما اقترفت يداه، ولم يهتز له جفن أو يتحرك به ضمير.
حقق معي أولا بنفسه مدة ساعة أو يزيد، معلومات عامة، ثم تركني لزبانيته الذين قاموا بتعليقي من كتف على باب الحجرة بحيث يكون جسدي في جهة، وذراعاي في الجهة الأخرى.
وبين الحين والحين والآخر يتم الضرب والإهانة للحصول على أي اعتراف كان من الواضح أنهم في متاهة، لا يعرفون شيئا عما حدث وعن تركيبة الجماعات الإسلامية المتعددة والفرق المختلفة.


