الأربعاء 28 يناير 2026 الساعة 06:47 ص

مقالات وآراء

إلى الرئيس الأسد

حجم الخط

هناك ما هو معروف بمنطق القوة، وما هو معروف بقوة المنطق؛ وهناك أيضا منطق التاريخ. ثبت تاريخيا أن منطق القوة أقوى من قوة المنطق، لكن الأقوى هو منطق التاريخ ذلك لأنه جارف، ولا تستطيع أي قوة بشرية مهما عظمت أن توقفه. قد تحاول القوى الآنية والظرفية أن تعرقله، وقد تتمكن من ذلك، لكنها في النهاية خاسرة.

 

منطق التاريخ في حياة الشعوب يعني أن الشعوب تخوض معاركها بنفسها عندما يتراكم الإحباط وتُغلق الطرق في وجهها، وتتساوى في النهاية الحياة مع الموت. هذا المنطق قد يتبلور بسرعة مع ارتفاع درجة الوعي، وقد يتباطأ مع انخفاض درجة الوعي. عانت الشعوب العربية من تباطؤ تاريخي بسبب انخفاض مستوى الوعي العملي، لكن في النهاية وجد الوعي النظري الذي تختزنه حول ظروفها طريقه إلى الترجمة العملية. شعوب كثيرة غير العربية مرت بمراحل خاضت معاركها وانتصرت على الرغم من القوة التي استعملت ضدها. ملايين الناس قّتلوا عبر العالم بحثا عن الحياة، لكن الجماهير صمدت وهُزمت أمامها الجيوش وأجهزة الأمن.

 

كان من الحكمة أن تعي القيادات السياسية الحاكمة قوة إرادة الشعوب، وكان من الأجدى والأفضل أن تستجيب لمطالب شعوبها بدون إراقة دماء. التعنت لم يكن مجديا أبدا، وأدى إلى سفك الدماء والدمار والخراب، وإلى هزيمة الحاكم في النهاية. (لو) تعامل الحاكم بداية بصدر رحب، وتفهم مطالب الناس لعمل هو بنفسه على قلب الأوضاع، أو لتنحى بسرعة وكسب احترام الناس. كثيرون هم الحكام الذين أبوا تقدير الموقف، فخرجو خاسرين وملاحقين من شعوبهم.

 

لقد قدمت لكم رأيي بصورة علنية مرارا عبر السنوات السابقة ذلك حرصا مني على سلامة سوريا الصغرى (هذه التسمية لأنني أرفض اتفاقية سايكس-بيكو) وشعبها العظيم، لكن السياسيين في هذه البلدان العربية يظنون أن الله قد ألهمهم كل العلم والمعرفة، ولا ينظرون إلى الأكاديميين على أنهم أصحاب معرفة. وباختصار، أقول الآن إن كل المراسيم الرئاسية التي صدرت حتى الآن من أجل إصلاح الأوضاع في سوريا الصغرى لا قيمة عملية لها، ولن تؤدي إلى التغيير المنشود جماهيريا.

 

إذا أردت أن تحقق تغييرا سريعا يؤدي إلى استقرار الأوضاع فإنه من المطلوب أن تتخلص أولا من هؤلاء الذين يحيطون بك لأنهم هم السبب الأول في تدهور الأمور. لقد قمت بداية بتغيير الوزارة وأنت تعلم أن الوزراء لا يحكمون ولا يرسمون سياسات، وكان الأولى أن تتخلص من قادة الأجهزة الأمنية. المصيبة الكبيرة تكمن في قادة الأجهزة الأمنية من مخابرات واستخبارات وأمن مركزي وشرطة، ومن الضروري استبدالهم بقادة آخرين ينتمون للشعب وليس لأحزاب، ومن ثم التخلص من معاوني قادة الأجهزة، وهكذا. ومن ثم تحرص على تغيير وزير الداخلية ووزير الجيش بحيث تحرص على أمرين وهما الانتماء لسوريا، والوفاء للشعب السوري.

 

ومن ثم تنتقل إلى تغيير قادة المؤسسات الكبرى في سوريا مثل رؤساء الجامعات، ومسؤولي مؤسسات الاتصال والمواصلات وقادة فرق الجيش، ومسؤولي الصحف ومختلف وسائل الإعلام. ومن ثم تقوم بحل النقابات القائمة حاليا، وحل مجلس الشعب، وتغيير قانون الأحزاب وقانون الانتخابات. والاستبدال لا يكون على أساس حزبي، وإنما على أسس مهنية، وسوريا مليئة بالكفاءات المهنية، والخبرات الواسعة. المعنى، أن تغيير النظام من الداخل يوفر على الجميع الالام والأحزان، ويختصر الطريق.

 

هذه أمور تحتاج إلى جرأة بخاصة أن من يحيطون بالرئيس قد يكونون أقوى من الرئيس. العديد من الرؤساء يعرفون مواطن الحق والباطل، لكنهم لا يجرؤون على المواجهة لأن المؤسسات التي من المفروض أنها تخدم سياسته محكومة بعصابات متجذرة وقوية. لكن تستطيع أنت الآن الاحتماء بالشعب، وهو أقوى قوة في سوريا الآن. (لو) كان الشعب صامتا ومنشغلا عن الحياة العامة، لكان من العسير على الرئيس القيام بخطوات جريئة، لكن الشارع السوري مهيأ الآن للدفاع بكل قوة عن تغيير النظام.

 

بيدك الآن المفتاح، والشعب السوري لن يخذلك إذا راى أن خطوات الإصلاح جادة، وأنها تؤدي إلى تغيير النظام إلى نظام يوفر الحرية ويعزز التزامات سوريا تجاه أمنها وأمن الأمة العربية. أما التباطؤ وضعف القرارات لن تأتي على سوريا إلا بما لا نحب أن نراه.