الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 03:12 ص

مقالات وآراء

د. عصام العريان

مسئول المكتب السياسي لجماعة الاخوان المسلمين بمصر
عدد مقالات الكاتب [52 ]

ذكريات مع جهاز أمن الدولة (2)

حجم الخط

لم يكن أول تهديد لي من قبل جهاز أمن الدولة مقصودا، فقد حضروا لمداهمة منزل صهري فإذا بهم يدخلون شقتي خطأ، وأثار ريبتهم قيام زوجتي بنزع كوبسات الكهرباء فقاموا بالتفتيش وأخطروا المخابرات العسكرية التي استدعتني من وحدتي العسكرية، لأمكث بضعة أيام ثم يتم تسريحي قبل شهرين من إنهاء خدمة العلم.

 

أما مواجهتهم بالسجن فكانت مع التحفظ والاعتقال ضمن السياسيين والمفكرين عام 1981م (سبتمبر الشهيرة)

 

وكان التعذيب بداية جديدة للتعرف على نمط التعامل الرئيس في الجهاز العتيق الذي تحول من القسم المخصوص إلى القلم السياسي إلى المباحث العامة إلى مباحث أمن الدولة والذي تحوّل أخيرا إلى "الأمن الوطني".

 

تغيرت الأسماء ولم تتغير سياسة الجهاز الذي ظل يواظب على حماية كافة أنظمة الحكم كافة من إسماعيل صدقي إلى إبراهيم عبدالهادي إلى عبدالناصر إلى السادات ثم أخيرا مبارك، والحبل على الجرار.

 

ما زالت شكوك المواطنين في بقاء الجهاز باسم جديد تتزايد، خاصة أن مسألة بسيطة مثل المنع من السفر وترقب وصول المعارضين بالمطار، وهذا ما حدث معي شخصيا عند أول سفر لي إلى السودان لحضور مؤتمر مؤسسة القدس الدولية الثامن، وتكرر مع آخرين.

 

يوم 17 أكتوبر أو 16/10/1981م وبعد شهر ونصف من اعتقالي تم اقتيادنا كمجموعة منتقاة وشحنا إلى سجن المرج شمال القاهرة.

 

دخلنا السجن معصوبي الأعين وليس معنا أي حقيبة أو لباس إضافي، وتزامن ذلك مع الخريف: خريف الغضب، فورا تم اقتيادنا إلى عنبر التجربة أو التأديب الذي كان يقطنه قبلنا القساوسة المسيحيون الذين فصلهم النظام عن المسلمين تماما حتى المفكرون المسيحيون تم عزلهم أيضا معهم.

 

كان هناك نزلاء على العنبر قبلنا، وسألت السجان فور إغلاق باب الزنزانة عن اتجاه القبلة للصلاة، وجاءني الرد جافا قاسيا : كلها قبلة.

 

كانت زنزانة قذرة ليس بها أي فرش أو أدوات وملأى بالحشرات ويعشش فيها البعوض.

 

لم يطل نومي، بل لعلي لم أنم، ووقفت أراقب من شراعة الزنزانة، فإذا بي ألحظ وجها مألوفا لدي وعليه آثار التعذيب، ويقتاد معصوب العينين مع الضرب والإهانة إلى خارج العنبر : كان الأخ كمال حبيب.

 

كنت تعرفت عليه لأنه يسكن بمنطقة الطالبية أثناء دراسته الجامعية، وكان مغتربا من خارج القاهرة، ويصلي معنا في بعض مساجدها، ولم أكن أعرف عنه إلا اتجاهه السلفي.

 

كانت التيارات الإسلامية في الجامعة المصرية في السبعينيات موزعة بين الإخوان المسلمين، والتيار العنيف في أسيوط وبعض الأفراد السلفيين متفرقين في كليات وجامعات، بتنظيم في الإسكندرية "المدرسة السلفية" وكان للأزهر وضع خاص، وكان الجميع يستخدم مظلة "الجماعة الإسلامية" ولم يتم التمايز إلا في أواخر الثمانينيات بسبب لصق العنف باسم الجماعة الإسلامية واختار طلاب الإخوان اسم "الصوت الإسلامي" أو "التيار الإسلامي" قبل إعلان الهوية الإخوانية عقب انتخاب 2005م

 

كانت مفاجأة ثقيلة العيار، واكتشفت أن هناك خريطة للعمل السري للتيارات الإسلامية تعرفت على بعضها عند ترحيلي يوم 31/10/1981م لقضاء فترة أخرى في سجن الاستقبال وحدي دون بقية المجموعة مع آخرين قدموا من سجون أخرى أشهرها ليمان أبو زعبل، حيث أخبرني أحد الشباب أنه من تنظيم صغير للدكتور أيمن الظواهري، وكانت مفاجأة أخرى حيث كان التحقيق معه حول سلاح يخبأه الظواهري في عيادته بالمعادي، وآخر أبلغني أنه من تنظيم نبيل البرعي، وثالث لنبيل نعيم.... إلخ ، كانت مفرخة تنظيمات من 1974 إلى 1984م

 

كان الشباب يعرفني، ولذلك لم يتردد في إخباري بمعلومات اضطر إلى الإفصاح عنها تحت التعذيب البشع.

 

بدأ التحقيق معنا، كلٍ على انفراد، حلمي الجزار، وأحمد عمر مسلم، ومجدي وردة في حجرات الإدارة عند مدخل السجن، ليلا حتى بعد انبلاج الفجر.

 

كانت صور التعذيب بدائية، ضرب وتعليق على أبواب الحجرات من الكتف وضرب بالفلكة، وكهرباء في أماكن حساسة.... إلخ.

 

تركز التعذيب للحصول على معلومات عن أمرين أساسيين:

 

الأول : مشتركا بيننا جميعا عن طبيعة تشكيل الجماعة الإسلامية بجامعة القاهرة، وصلاتها بجامعات مصر كلها، خاصة جامعة أسيوط والمنيا، وكان نما إلى علمنا ما حدث من مجزرة بشعة في مديرية أمن أسيوط وبعض أقسام الشرطة، والصلة بين الجماعة الإسلامية كجناح طلابي لجماعة الإخوان، وبين جماعة الإخوان نفسها ومرشدها العام عمر التلمساني، وهل للإخوان أي صلة باغتيال السادات وأحداث العنف.

 

الثاني : كان معي شخصيا حول علاقتي بالعقيد عبود الزمر، ضابط المخابرات الأبرز الذي ظهر اسمه قبل اغتيال السادات عندما هددّه على الهواء في خطبة من خطبه المتوترة.

 

كان عبود تطوع من تلقاء نفسه بزيارة إلى المقدم "حسين أبوجبل" الذي حقق معي في المخابرات أثناء خدمتي العسكرية ليتوسط للإفراج عني أو حسن معاملتي وعندما خرجت وعلمت بذلك طلبت منه أن يقول: إذا سُئِل عن ذلك أن أخي وهو زميل دراسة له طلب منه الوساطة، وألا يتحدث عن اتجاهاته الإسلامية، وكان رده أنه معروف في أوساط زملائه بالتدين والحماسة الشديدة إلى حد إطلاق لقب "آية الله طالقاني" عليه.

 

مكثنا في المرج أسبوعين تقريبا وعلمت أن أحد الأطباء نقل إلى الإخوان الذين لم يكن تم إلقاء القبض عليهم بأننا يتم تعذيبنا في سجن المرج، وأنه حاول إثبات ذلك في الدفاتر ولم يتمكن.

 

وقد ترتب على ذلك أن استدعاني بعد 4 شهور اللواء فؤاد علام إلى مكتبه، بعد شكوى قدمها المرحوم عمر التلمساني المرشد العام عند خروجه من المعتقل بشأن تعذيبي البشع، وكان تعليقه السريع: أنت أمامي كويس، وليس بك أي أثر تعذيب. فرددت سريعا: أتريد أن تظل الآثار على جسدي بعد 4 شهور.

 

ومن الطرائف أن الأخوة في حجرة 11/3 في القسم السياسي في الليمان عندما ودعوني استبشروا خيرا، فقد توقفت قوائم الإفراج بعد خروج السياسيين لمقابلة مبارك ثم كبار السن والمرضى ثم الشيوخ، وتفاءلوا وأعدوا لي حقيبتي وكان النقيب المرافق لي أيضا مستبشرا، وعندما خرجت من حجرة فؤاد علام تساءل معي إلى أين؟ وجاء الجواب سريعا إلى ليمان أبي زعبل من جديد لأمكث بعدها 5 شهور جديدة في "أبو زعبل".

 

خرجت من أبو زعبل إلى استقبال طرة من جديد ولكن باحتفال مختلف هذه المرة حفلة استقبال كانت عبارة عن حلق جزء من اللحية والشارب والحاجب وشعر الرأس، وصفع وركل أصابني منه الكثير جدا بسبب أنني كنت في لجنة إدارة شئون المعتقلين "المتحفظ عليهم" منذ 3 سبتمبر وحتى اقتيادي إلى التأديب والتي أشرف عليها الأخ المرحوم جابر رزق مع أخي عبدالمنعم أبو الفتوح وحلمي الجزار، وعانينا كثيرا في إدارة الأمور بسبب التنوع الشديد بين المعتقلين الذين كانوا يرفضون نظام التريض داخل العنبر والذي كان لابد أن يتدرج من ربع ساعة لكل ربع دور ثم يتسع حتى يصل إلى نهار كامل حسب تطور الأمور داخل السجن والشكاوى الصحية المستمرة، وكبار السن الذين لا بد من عناية خاصة لهم، والسماح للوزراء السابقين في الطابق الأرضي مثل أ.د.إسماعيل صبري عبدالله وعبدالعظيم أبو العطا وفؤاد مرسي رحمهم الله بمزيد من التريض والتساهيل فما كان يثير دهشة البعض وحنق البعض الآخر.

 

قضيت ليلة ليلاء لأن سكان الزنزانة كانوا من أماكن مختلفة من سجون أو الشارع أو مقار مباحث أمن الدولة، وكأن على رؤوس الجميع الطير، لا يدرون ماذا يصيبهم ؟ وبعض من كان معنا قبل اغتيال السادات في سجن الاستقبال يخشون على مصيرهم في القضايا المفتوحة، وكان سجن الاستقبال تحول إلى باستيل جديد، يتم فيه التعذيب البشع والتحقيقات المستمرة، وأحيانا يتم اقتياد البعض إلى خارج السجن دون تسجيل في الكشوف الرسمية والتحقيق معهم وتعذيبهم في أماكن أخرى.

 

عرفت فيما بعد أن التحقيق مع أخي د.عبدالمنعم أبو الفتوح ثم في مستشفى سجن الاستقبال، وكان يشرف على التحقيقات فؤاد علام وكيل مباحث أمن الدولة آنذاك، وعرف أن الأخ الكبير عبدالمتعال الجابري كان هناك أيضا وتم التحقيق معه.

 

لم أمكث إلا ليلة واحدة وتم النداء علي صباح اليوم التالي للانتقال إلى سجن القلعة بكل ما يحمله من تاريخ في التعذيب والاعتقالات وكانت ثلاثة أسابيع عصيبة.