يقولون أن غزة قد أوصدت أبوابها بوجه الصحفيين وأن حالة من قمع الحريات باتت السائدة فيها.. ويقولون أيضا أن غزة حرام على الصحفيين ووكالات الأنباء والمصورين والمراسلين والمذيعين ويقولون ويدعون ولم يقولوا شيئا عن الضفة .. فقد صمتوا عندها وصمتوا ثم صمتوا..
في أكثر بلدان العالم حرية للصحافة لم أر هذا العدد الكبير من المايكروفونات التي توضع أمام المتحدث في أي لقاء أو خطاب أو حدث في غزة فالكل يتسابق لينقل الخبر بعين الحقيقة بدءاً من قناة العدو الثانية مرورا بالقنوات الأجنبية وليس انتهاء بقنوات لا أعرف لأي جهة تتبع؟؟؟ ولم أر تغطية من وسائل الإعلام المختلفة كالتغطية التي تحظى بها غزة وعلى كافة المجالات من قضايا سياسية إلى اجتماعية إلى رياضية إلى أسرار خاصة وحتى أكوام الزبالة حظيت بمساحة ليست بالقليلة؟..
لقد أصبح الفلسطيني الغزي على وجه الخصوص يجلس في بيته ويقلب القنوات الفضائية ليعرف ما يدور في الحارة المحاذية لبيته من كثرة المواضيع وتنوعها عن حياة الغزيين وبتفصيلات مملة...!!! ولا يكاد يمر يوم إلا وأشاهد مؤتمرا صحفيا أو لقاء توضيحيا أو مناظرة سياسية أو ندوة علمية أو خطبة دينية تبث من غزة مباشرة؛ ولذلك حرصت كافة المؤسسات والوزارات والجمعيات والنقابات .... الخ على فرز ناطقين إعلاميين ذوي كفاءة في الخطاب لينظموا مؤتمرات صحفية وينقلوا رسالتهم للعالم وان كانت بعض المؤتمرات لا تعني حتى الفلسطينيين بكليتهم؟
هنا في غزة تنتشر مكاتب الإعلاميين والقنوات الفضائية في حيز ضيق من ضيق مساحة غزة !!! يتحدث الكل الفلسطيني بجميع ألوانه وأطيافه وتوجهاته بما يريد كيفما يريد ... فقط يحتاج إلى إرسال دعوة إلى عموم الصحفيين ويوضح المكان والزمان ليجدهم قبل أن تصل رسالته إليهم قد ازدحموا أمامه ملبين دعوته باهتمام بالغ ؟؟ .
لقد أضحت غزة محطة للصحفيين والإعلاميين من كل بقاع الأرض ينقلوا الأحداث بالصوت والصورة وبفضلهم حفظ المشاهد العربي والغربي شوارع غزة وأزقتها وأسماء عائلاتها أكثر من الغزي نفسه، وقد نقلوا كل ما يجول بالخاطر ودحضوا كل الادعاءات ... نقلوا الهم والألم والفرحة والبهجة ولم يبخلوا بشيء ..، وتوقفت كاميراتهم لحظات بما يحقق مصلحة مؤسستهم، وسكتت تقاريرهم عن بعض الأحداث لأنها لم ترق لهم... نصبوا كاميراتهم بعيدا .. واقتنصوا صورا مثيرة بيعت بآلاف الدولارات ...وتجمعوا وتفرقوا ولاحقوا وسألوا وأحرجوا وقالوا وصمتوا دون أن يمسوا بسوء ودون أن يعترض طريقهم أحد حتى وإن كانت صورهم مجتزئة وتقاريرهم منقوصة أو احتملت أكثر من رأي.. وحتى إن قيدوا أنفسهم وألزموها بعدم الخروج لتغطية حدث ما أو نقل الصورة كاملة ...
ولا عمل بدون أخطاء ... ولأننا نعيش في غزة أوضاعاً استثنائية ولأن الحصار قد اشتد من الخارج والداخل وعن الميسرة والميمنة ومن داخل القلب وقعت أخطاء وتجاوزات بحق الصحفيين .. بعضها لم يستحق الذكر لكنه في لغة البعض فرصة للقدح بالحرية الممنوحة لجيش الإعلاميين هنا ... وهناك كانت التجاوزات والتهديدات وحرق السيارات والاعتقالات ومصادرة الأشرطة والأفلام بل والتعذيب كما قال بعضهم... ولم يتحدث أحد بكلمة أو لعله اختزل الكلمات وعبر عنها في غزة لأن الحرية فيها أكثر فامتلك الجرأة وقال كثيراً في غزة وهو يقصد الاحتجاج على واقع الصحافة في الضفة والله أعلم بالنوايا !!!
ثم ماذا ؟؟؟
ننتقل الآن إلى الضفة مباشرة؟؟؟ أكثر كثافة سكانية .. أكثر مدنا .. أكثر قرى .. أشد ألماً ووجعا ... من فوقها المغتصبات .. ومن تحتها الأنفاق .. ويلفها الجدار من جميع الجهات .. ويأسر بهجتها ظلم ذوي القربى الذي إن تقدم أحدهم خطوة كان رصاص الجيش سباقا نحوه .. وإن أطل برأسه قليلاً اختطفه الموت القادم من مغتصب حاقد وإن امتلك بجيبه تصريح دخول أو تنسيق حصل عليه من مكتب الارتباط المشترك... ولكن !!!
ما بال الصحافة قد أشاحت بوجهها عنها .. أو ليست الضفة وغزة جسد واحد وشعب واحد وهم واحد وعدو واحد .... وعلم واحد ؟؟ أوليست رام الله مدينة عريقة وقطعة من أوروبا...أو ليست جنين وطولكرم والخليل ونابلس وقلقيلية مدن تحت الوصاية الفلسطينية قد رفع عنها الحكم العسكري؟ ويسكنها الأجانب ويؤمها الصحفيون بمكاتبهم الأنيقة وسيارات بثهم المتنقلة والعاملات الجميلات ذوات العيون الخضراء والزرقاء والشعر الأشقر المنسق بعناية!!! أولا تنتشر فيها مؤسسات المجتمع المدني وتنطلق من بعض رجالها ونسائها دعوات التحرر والمدنية والحرية والمساواة وسيادة القانون ومنع الانفلات والقضاء على الجهل والتخلف والتحجر والتزمت !!!، فما بال الكاميرات توقفت عن العمل فيها؟؟ ولماذا صمت المراسلون عما يحدث هناك ؟؟ القصص ليست مثيرة ؟؟ أم المصلحة العليا لا تسمح .. أم أن العدو يراقب السكنات والحركات ولا مجال للعمل الحر هناك؟
غير مسموح بالتحدث .. غير مسموح بالاحتجاج .. غير مسموح بالتعبير .. غير مسموح بالتصوير ...ما المسموح به إذن ؟؟؟
لم أسمع عبر وسيلة إعلامية ناطقة أو مسموعة أنها قالت يوماً أن هناك صحيفتين منعتا من التوزيع بالضفة ولم أسمع أن إعلامياً واحدا قال إن أي مطبعة تتعامل مع الصحيفتين ستحرق؟ وسمعت أن القوة التنفيذية احتجزت ثلاث صحف قادمة من الضفة لدقائق بل وقرأت بيانات شجب واستنكار من الهيئات والمؤسسات والنقابات احتجاجا على تصرف التنفيذية الذي عبر عن قتل لحرية الصحافة كما قالوا !!!.. واعجبااااه
لم أسمع أن وسيلة إعلامية ناطقة أو مسموعة قالت شيئا عن جرائم الأجهزة الأمنية التي تعتقل وتطارد وتشدد الخناق مع قوات الاحتلال وتعذب وتصادر الحقوق المدنية التي كفلها لهم القانون وشاهدت التقارير تلو التقارير عن احتجاز أحد المفسدين أو مروجي المخدرات أو القتلة أو مثيري الشغب والفوضى وكأنهم المناضلين الإشراف الذين أساءت بحقهم التنفيذية التي تجاوزت كل الأعراف وهذا ليس من حقها !!!
لم أسمع أو أشاهد تقريراً تحدث عن المصابين والجرحى والمنقولين من سجون السلطة وغرف التحقيق إلى المستشفيات تماماً كما لم أسمع حوادث قتل ثلاثة صحفيين مع بداية الأحداث وسمعت وشاهدت التقارير عن قاتل توعد بيوت الله وأصحابها بالهدم والقتل؟ وتماماً كما سمعت عن فصل 10 طلاب من جامعه النجاح وتوقف التحقيق عن جريمة قتل رداد حافظ كتاب الله من مسافة الصفر أمام زملائه رغم معرفة القاتل؟؟
لم أسمع أو أشاهد تقريراً واحداً عن المؤسسات الاجتماعية والخيرية التي أحرقت ونهبت وصودرت ودمرت ورأيت تقارير مع دموع لبيت سقط هنا أو هناك في لحظة فر الجميع فيها ... لم أسمع أو أشاهد مسيرة واحدة أو مؤتمر صحفي أو تغطية لحدث أو فاعلية من الضفة لجهة غير تابعة لحكومة .. ومللت من تقارير غزة ووصف أدق أخبارها وحتى أتفه أحداثها أم أن الضفة قد أصبحت فعلاً في حرية يسودها الأمن والأمان فلا ظالم أو مظلوم فيها .. قد انتشر العدل وساد الحب !!!
ما الذي يحدث؟ لماذا أخرست الأقلام؟؟ ولماذا توقف المراسلون عن العمل هناك؟؟ هل هددوا مثلاً بالقتل والملاحقة؟؟ فلماذا لم يقيموا خيمة اعتصام أو احتجاج مثلا ...أسوة بزملائهم في غزة الذين سمح لهم بأضعاف ما منعوا هم عنه ورغم ذلك وبدون خجل احتجوا وتظلموا وكأنهم أصحاب حق؟؟ لماذا لم يعقدوا مؤتمراً واحداً .. واحداً يتيما فقط يعبرون من خلاله عن حجم الملاحقة والمتابعة بحقهم إن قالوا كلمة الحق المغيبة؟؟ أم لم يتمكنوا من ذلك لارتفاع ثمن البث المباشر!! لماذا لم ينشروا بياناً جماعياً مكتوباً تحت أي مسمى يوجهونه للرأي العام يعذروا من خلاله أنفسهم ويعتذروا لتوقفهم عن نقل الحقيقة لأسباب أمنية أم أن الضفة كغزة قد اشتد الحصار عليها ومنع الورق من الدخول إليها؟؟! لماذا لم يجرؤ صحفي واحد من تسريب صورة من هنا أو هناك وليأخذ ثمنها أم أن الصور الحصرية والكاميرات المخبأة في بيوت الأعراس موجودة فقط في غزة؟
أي ازدواجية هذه التي نحياها وأي قلب للوقائع والحقائق كتلك التي نعيشها ... أمور تجعل الحليم حيرانا والحيران حليم ... تماما كما أصبح القاتل مناضلا والمجاهد عدوا ...
إن ما يحدث في الضفة من قتل بطئ وسريع للحقيقة والحرية وصمة عار لكل قادر على البوح بالحقيقة وتردد ... أو تلعثم ... أو بدل وحرف وغير.
الحقيقة تنزف قهراً ولا مغيث .. وتنادي ألماً ولا ملبي فلا عذر يا إعلاميي الضفة أمامكم ...ولا حاجة لكم إن لم تتمكنوا من نقل الحقيقة كما ترونها وتتجاهلونها ..ولن يرحمكم أحد أو يقف إلى جانبكم في يوم الحساب والمساءلة والأيام دول...، فكونوا بجانب الحق وتذكروا القسم يوم ارتضيتم أن تكونوا الأمناء على الحقيقة


