الأحد 04 يناير 2026 الساعة 04:12 م

مقالات وآراء

جولدستون والخيبة الكبيرة

حجم الخط

تراجُع القاضي ريتشارد جولدستون عن تقريره الذي قدمه إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لا يقدم أو يؤخر في الأمر شيئا ، فالتقرير صدر ونشر عبر وسائل الإعلام وتمت مناقشته وإقراره من قبل المجلس رغم محاولات التعطيل التي جرت داخل المجلس برغبة وإرادة فلسطينية وبتحريض إسرائيلي أمريكي حتى لا يكون التقرير مقدمة لإدانة (إسرائيل).

مقال جولدستون الذي حمل تراجعاً في تقريره من ناحية قانونية لا يشكل أي انتقاص من التقرير ومن محتواه بقدر ما يشكل إدانة للقاضي جولدستون نفسه, ودليل انحطاط قيمي وأخلاقي ناتج عن ضعف في الشخصية واستعداد نفسي للاستجابة لأي ضغوط سياسية أو تهديدات من قبل الحركة الصهيونية، كون (إسرائيل) هي الطرف المدان بارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية مما يعرض قادتها إلى المحاكمة الدولية على ما ارتكبوه من إرهاب خلال العدوان الأخير على قطاع غزة واستخدام أسلحة محرمة دولية.

الجريمة الإسرائيلية ماثلة على أرض الواقع، وشهودها مازالوا أحياء، وشهداؤها صورهم تنطق بالحقيقة، وتقرير جولدستون لن يُمس أو يتأثر، ولكن الأهم من كل ذلك هو الموقف الدولي من التقرير، وموقف مؤسسات الأمم المتحدة من العمل بتوصيات التقرير وتفعيل ما توصلت إليه اللجنة التي شكل جولدستون جزءاً منها ولكونه رئيساً لها سميت باسمه، الموقف الدولي حتى اليوم من التقرير مخيب للآمال، والموقف الأخير للدول الأوروبية في مجلس حقوق الإنسان والذي حال دون عرض التقرير على الجمعية العامة لمطالبة مجلس الأمن بالنظر في تحويله إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومطالبة المدعي العام للمحكمة مورينو أوكامبو بفتح تحقيق في الادعاءات بارتكاب جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

تقرير جولدستون باقٍ ولم يغير فيه الموقف الجديد للقاضي جولدستون، ولكن في نفس الوقت لن يأخذ التقرير مكانه الطبيعي، ولن تطبق التوصيات التي جاءت فيه نتيجة هذا الموقف الأمريكي والأوروبي المخزي والمهين للإنسانية والمنحاز للعدوان والإرهاب الصهيوني، ولكن التقرير وإن لم يُفعَّل سيبقى وصمة عار على جبين (إسرائيل) وأمريكا وأوروبا، وسيحفظ في ملف الإدانة للصهاينة وسيوضع على أرفف الأمم المتحدة وسيبقى في ذاكرة التاريخ حتى يأتي الوقت المناسب الذي ستفتح فيه هذه الملفات في وجه المجرم والإرهابي.

التقرير في حد ذاته حقق نتائجه المعنوية ودان الصهاينة ووجه لهم اتهاما واضحا وصريحا بارتكاب جرائم حرب، كما أنه ترك آثارا كبيرة وواضحة، وكشف عن وجه (إسرائيل) القبيح أمام الرأي العام الدولي مما جعل إسرائيل في عزلة دولية، وربما يشكل ذلك انتكاسة جديدة لإسرائيل، خاصة إذا تبين بشكل جلي وواضح أن التهديدات الصهيونية لـ جولدستون هي التي دفعته لكتابة مقاله الذي ادعى فيه أنه لو كان يعرف وقتها ما يعرفه الآن، ولو تعاونت (إسرائيل) معه لكان تقريره وثيقة مختلفة.

هذا الموقف من جولدستون والذي جاء في مقاله المنشور في صحيفة "الواشنطن بوست" لن يؤثر في التقرير، وإن كان هناك من ضرر فلن يكون على الجانب الفلسطيني، إنما سيكون على الجانب الإسرائيلي ويقدح في نفس الوقت بمصداقية جولستون الذي أشاد أهل القانون في موقفه عندما تحدث في تقريره بشكل قانوني وبشفافية عالية، وهذا التراجع يدينه ويظهر انهيار القيم لديه ويطعن في مصداقيته ومهنيته.