الأحد 04 يناير 2026 الساعة 04:42 م

مقالات وآراء

التسمم الإعلامي

حجم الخط

نعرف في الطب ضروباً من التسمم، مثل الغذائي بالانسمام الوشيقي وهو قاتل، والتسمم الدوائي كما يحصل مع المنتحرين بأخذ جرعة دوائية فوق تحمل الجسم، أو الجراحي بقطع شرايين الرسغ. وهناك تسمم الاسبتوز الرئوي في المصانع، والتسمم بالفيتامينات في جرعتها الزائدة، أو بدواء الديجتال للقلب.

 

كل هذا الحديث هو عن التسممات الدوائية والغذائية والإشعاعية، لكن ما حدث في ربيع 2011 أن الناس تناولت الجرعة السمية شبه القاتلة من القنوات الفضائية وبرامجها السياسية، التي أصبح نجومها يحظون بشهرة أوسع من القذافي، بل تحول بعضها إلى ملَك الموت وقابض الأرواح إلى عالم الأتراح؛ فأي نظام أتتها التعليمات بالتوجه نحوه معناه أن عليه التهيؤ لملاقاة ملَك الموت.. وأي نظام سكتت عنه سكت عنه الموت إلى أجل مسمى.

 

أما الناس فقد ضاع حسها في غمرة النشوة، وهي ترى الدم المراق على الشاشات، وتقول: هل من مزيد؟ فقدت قدرة التحليل والمراجعة، وتعيش ما يشبه الهلوسة الجماعية

 

ومع هذا استفدنا عدة فوائد، منها معرفة الترياق الشافي من سموم الأنظمة الشمولية، ألا وهو العصيان المدني. كما عرفنا كم يخالف الساسة نواياهم ولو صدقوا، فإذا صرحت بثينة شعبان مستشارة الرئيس السوري بأن الأمور بخير، فيجب قلبها ثمانين ومائة درجة كي نقول إن الأمور ليست بخير، وأن نتذكر أحاديث الصحّاف وأحمد سعيد. كذلك في سوريا فقد قامت بثينة وقالت إن الناس في درعا هرّبوا السلاح إلى المسجد العمري!

 

كلها فوائد عامرة من مائدة التسمم الإعلامي، يتجرعه الناس مثل السموم الهارية على موائدهم صباح مساء قبل النوم وبعد الاستيقاظ، بالغدو والآصال!

 

ولا ننس دور رجال الدين، ودور المهرجين من ممثلين ومطربين لعبوا دورهم بينما الناس يقتلون بأيدي المخابرات. فقد ذهب المفتي إلى أن المظاهرات حرام لأنها ممنوعة، وإنها ممنوعة لأنها حرام!

 

كذلك استفدنا من هذا التسمم الإذاعي فوائد جمة عن جنون العقيد الليبي، وادِّعاءَ بن علي الفهم، وبينه وبين الفهم أطنان الذهاب التي حملتها المغناج من قرطاج. وكذلك مبارك، الثمانيني الواهن وهو يحاول تقليد النظام السوري في التوريث لابنه، كما يحاول اليمني بعد أن عيّن نجله قائداً للجند في الحرس الجمهوري.

 

استفدنا كذلك علماً في الجغرافيا، فعرفنا أين تقع طبرق واجدابيا وسرت وراس لانوف والزنتان حيث تحصد الكتائب الأمنية الناس مثل زهور الربيع مضرجة بالدم مقلِّدةً شقائقَ النُّعمان الحمراء.

 

لقد عرفنا تقريباً قائد جنود الأمن في كل بلد عربي، من الأمن المركزي المصري، إلى الكتائب الأمنية للساعدي وهانيبعل وسيف الإسلام، مروراً بأسماء أخرى في سوريا وغيرها.

 

ومما استفدناه من التسمم الإذاعي، أن قدر الأنظمة الشائخة قد حان أو قرُب، وأن العالم العربي يتغير بعد طول احتقان، وأن الموت حق، والنار حق، وموت الديكتاتوريات حق، وأن التاريخ تقدمي، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، أما الزبد فيذهب جفاء… كذلك يضرب الله الأمثال.