لعل أسوأ ما أسفرت عنه الأحداث الأخيرة هو هذا الضخ الاستثنائي في الروح الإقليمية، فهذه السيارات التي تجوب الشوارع وتغلق بعضها على وقع الهتافات ورفع الأعلام لا تفعل ذلك لمجرد الاحتفال. وقد رأينا شيئا من ذلك في مدينة اللاذقية السورية المختلطة، وهناك يطلقون مصطلح «الشبيحة» على من يفعلون ذلك.
من قرأ مقالي الداعية الدكتور أمجد قورشة اللذين ضمنهما شهادته المباشرة حول ما جرى عند دوار الداخلية يدرك الحقيقة بعيدا عن أي تدليس، لاسيما أن أحدا لن يتهمه بالانحياز لأي طرف، ثم إن الأمر لايحتاج من المرء أكثر من الدخول إلى موقع «يوتيوب» وبعض المواقع المحلية التي عرضت تسجيلات مصورة لما جرى، حتى يشاهد الحقيقة عن كثب.
لم تكن المشكلة الكبرى هي فض الاعتصام، ففي كثير من الدول يمكن أن يحدث مثل ذلك حين ترى الجهات الرسمية أن ما يجري خاطىء، أو ينطوي على بعض التجاوز لما تعتقد أنه الصواب، لكن المشكلة هي التعبئة التي تم ذلك على أساسها، والأسوأ هو الاستمرار في تلك التعبئة بعد نهاية «المعركة».
لنتحدث بصراحة (كلام الدكتور قورشة ولقطات الفيديو الكثيرة، فضلا عن شهادات شبان عاديين بعضهم يعتصم لأول مرة في حياته): لقد تم فض الاعتصام بروح تعبوية تقوم على أن المعتصمين هم من فئة معينة، وأنهم بسلوكهم ومطالبهم يهددون وضع الفئة الأخرى، حيث استعيد في هذا السياق كلام كثير عن التوطين والوطن البديل والحقوق السياسية وما إلى ذلك من الكلام الذي نسمعه منذ سنوات طويلة من دون أن يؤدي إلى تغيير يذكر في المعادلة السياسية، بل أدى في واقع الحال إلى تراجع وضع تلك الفئة تبعا للاستنفار السياسي ضدها تحت لافتة مواجهة مشاريع التوطين والوطن البديل.
من جهتنا، فإن رفض تلك المشاريع هو من المسلمات التي لا نساوم عليها، بل إن التصدي لها هو من أهم الواجبات بنظرنا، ودائما على قاعدة رفض التسوية برمتها لأنها المدخل لتمرير المؤامرة، وفي المقابل تبني نهج المقاومة الوحيد القادر على إفشالها، وتوحيد الناس على برنامج ضد عدو مشترك يستهدف الأردن وفلسطين.
على أن ما جرى عند دوار الداخلية، ومجمل الحراك السياسي الذي نتابعه منذ أسابيع لا صلة له البتة بهذا الجدل، فهو ابتداءً جزء لايتجزأ من الحراك الشعبي الذي نتابعه في عدد من الدول العربية، على تفاوت في المضمون، والأهم أن الطرف الذي تعرض للاتهام على دوار الداخلية كان متهما طوال الوقت بالسلبية حيال هذا الحراك.
خلاصة القول هي أن من تصدروا الحراك وصاغوا مضامينه الأساسية لم يكونوا من تلك الفئة التي كيلت لها الاتهامات، وفي الاعتصام وسائر الفعاليات السابقة توحد الجميع في الميدان، ولم يكن ثمة تفريق يذكر بينهم، بدليل أسماء الذين تصدروه من الشباب، فضلا عن أسماء المصابين، وفي مقدمتهم الأسير المحرر سلطان العجلوني وأسماء أخرى تتوزع على سائر المنابت والأصول.
كيف يُسمح تبعا لذلك أن تجري مواجهة ذلك الحراك على قاعدة إقليمية، وعلى نحو يبدو أسوأ من الحشد في مباريات الفيصلي والوحدات، ولا يتوقف الأمر عند معركة فض الاعتصام وما تلاها من احتفالات، بل يتجاوزها إلى نشاطات كثيرة هنا وهناك لاحظها الجميع بلا استثناء.
المصيبة أن ما جرى لم يكن مستفزا لطرف بعينه تعرض للاتهامات والشتائم، بل كان مستفزا على نحو أوضح للطرف الآخر الذي يعتقد البعض أنه يدافع عنه. نقول ذلك لأن الكلام ينطوي على اتهام له بعدم الاهتمام بقضايا الإصلاح، فيما يعرف الجميع أنه يتصدرها أكثر من سواه، بما في ذلك داخل جماعة الإخوان التي يريد البعض حشرها في إطار معين أيضا.
ما جرى ويجري مؤسف أشد الأسف، والأصل أن يتداعى العقلاء من أجل تجاوزه على أساس من مصلحة الوطن والمواطن، من دون التنازل عن مطالب الإصلاح، وفي البلد عقلاء قادرون على ذلك بإذن الله.
مؤسف أن يندمج الناس جيرة ومصاهرة على النحو الذي نعيش، ويتجاوروا في المساجد ويسمعوا كلام الله وهدي نبيه، ثم نجد من يوقظ الفتن النائمة ولا يهتدي بهدي المصطفى عليه الصلاة والسلام الذي قال لنا «دعوها فإنها منتنة». نسأل الله السلامة.
