من بين زنازين الموت والقهر الصهيونية؛ ومن وسط عتمة القيد وجدران الشبح والتعذيب؛ ومن خلف الأشواك والقضبان الحديدية خرجت رسالة مكتوبة بماء قلب قائدٍ قساميٍّ كبير؛ أحب شعبه ومنحه حريته وحياته، رسالة صادقة تحوي الكثر من اللفتات وجهها الأسير القسامي حسن سلامة يقول فيها لأبناء شعبه إن هناك أناساً أحبوكم وضحوا بأنفسهم من أجلكم مازالوا يذكرونكم، ويعيشون على طيفكم رغم أنهم يقبعون في قبور سوداء لا حراك فيها ولا صوت سوى الصمت وذكر الله.
من يتفحص رسالة الأسير القسامي يدرك أن هناك الكثير من المعاني التي يجب أن تُقرأ من بين السطور، فهي ليست رسالة عادية من أسير عادي، وليست كلمات من وحي أدب السجون؛ إنها رسالة تحمل قيمة كبيرة من قيمة صاحبها، فماذا أراد القائد سلامة أن يقول؟ ولمن؟
1- كتب الأسير القسامي رسالته بكل أدبٍ واحترامٍ وتواضع ليدلّل على سمو أخلاقه ورفعة نفسه وأصالة انتمائه، ببلاغة رصينة صاغ كلماته، لم يطلب شيئاً لذاته، ولم يمجّد نفسه ويعلي من شأنه، كان معاتباً وناصحاً حريصاً أن لا يؤذي أحداً، فرسالته تحمل من الوفاء والحب ما تحمل.
2- أراد الأسير القسامي أن يتحدّى عدوه الذي عزله عن العالم الخارجي لسنوات طويلة بالقول له: أنا ما زلت موجوداً أتنفس؛ أعي؛ أكتب؛ أقرأ؛ ذاكرتي حيةٌ وقادرة على أن ترجع إلى أيام الطفولة فسنوات العزل لم تنل مني.
3- ابتعد القائد القسامي عن أي إشارة للمواقف السياسية أو العسكرية، ولم يتحدث عن صفقة التبادل أو مطالب أخرى فرسالته إنسانية بامتياز، وسينتاب البكاء كل من يقرؤها، وسيشعر بالتقصير في حق الأسرى، وبعدم السعي الجاد لنصرتهم والوقوف معهم.
4- أكد سلامة بأسلوب رسالته الأدبي أن قلمه مازال نابضاً وقادراً على التعبير ببلاغة و عاطفة قوية جياشة اعتدنا عليها كما في كتابه السابق الثأر المقدس.
5- بكلمة واحدة عبر لنا القائد الأسير حسن سلامة عما يكابده من ضيق وعنت حين وصف المكان الذي يعيش فيه بالقبر؛ وهو أدق وصف لحياة تشبه حياة الموتى.. لا حياة فيها ولا أنيس ولا رفيق..حياة يعيشها الإنسان مع نفسه، وهو وصف يحرك المشاعر ويجعلنا نشعر ولو للحظات بجزء من معاناة الأسرى فنزداد همّة وعملاً لنصرتهم.
6- أشار إلى وحشية العدو حين يبقيه في العزل 23 ساعة متواصلة وكأنه يعاتبنا بالقول..هل تطيقون ذلك؟ هل تقبلونه لأنفسكم؟ هل تستطيعون الصمود؟ تحركوا إذن!!
7- يستذكر الأسير سلامة جزءً من طفولته حين كان جنود الإحتلال يوقفونه وهو يحمل حقيبته المدرسية مع زملائه... ليقول للعدو إن الاعتداءات المبكرة على طفولته ظلت راسخةً حتى جاء الوقت المناسب للقصاص، ومثلها يبقى راسخاً لدى أطفال فلسطين حتى يكبروا وينتقموا.
8- رسم لنا القائد القسامي صورة تقريبية لشكله الجديد بعد سنوات البعد عنه ليقول لنا امحوا من ذاكرتكم صورتي القديمة التي اعتدتم عليها، فقد كبرت وشابت لحيتي ولكنني مازلت أحيا بقلب طفل صغير يشتاق لشوارع وطنه وسمر أصحابه، فالعبرة ليست بشيخوخة الشكل وإنما بشباب القلب وحيويته.
9- لفت الأسير القسامي الانتباه إلى نقطة مهمة يحاول البعض أن يقلل من شأنها ويستخف بقيمتها وهي التواصل مع الأسرى والتضامن معهم بالكلمة والرسالة والقصيدة والاعتصام وأي وسيلة كانت، وكأنه يوصينا ببذل كل جهد وعمل لإيصال رسالة مكتوبة أو مسموعة للأسرى ومدهم بالأكسجين ليبقوا على اطلاع بما يدور في العالم الآخر وإخراجهم من عزلتهم ولو ببضع كلمات مكتوبة يأنسوا بها.
10- مازال الأسير القسامي سلامة يتمتع بحسٍ أمني كبير وحرصٍ على سلامة مصادره ومعاونيه، فلم يتحدث عن تاريخ رسالته؛ ولم يشر كيف خرجت؟ ومن أخرجها رغم العزل الذي يعيشه؛ موضحاً أن الأهم فهم معانيها.
11- تحدث الأسير القائد عن إرادته الصلبة وعزيمته الحديدية رغم مرور 9 سنوات على عزله وكأنه يقول لنا لا تملوا من طرق الأبواب وبذل المستحيل لإخراجنا من قبورنا، فقد دخلناها من أجلكم وما زلنا ننتظركم رغم أن بعضنا قد أصابه الجنون فأنقذوا مَن تبقّى.
12- أكد الأسير القسامي أنه لن يعيد النظر في طبيعة عدوه الدموية والإجرامية، وأن سنوات التعذيب والعزل لن تُسقِط من فكره أن الإحتلال سرق أرضه وهجّر أهلَه وقتل أطفاله، وهو مازال يكتب ويُنعِش ذاكرته بتاريخ لا ينسى بالتقادم.
13- يذّكر القائد سلامة أن أنيس الأسير في عزله خالقه الذي لا ينساه، ورسالته في ذلك ..إن نسيَنا الصحبُ أو تشاغلوا عنا فعزاؤنا أن ربنا معنا، ولا خير فيكم إن أصبحنا تاريخاً لا قيمة له عندكم أو مجرد ذكريات لا تتعدى اللحظات... فماذا قدمتم لتعيدوا البسمة إلينا؟
قد تكون هذه المعاني التي أراد القائد الأسير حسن سلامة والقابع في العزل الانفرادي منذ 9 سنوات والمحكوم 4320 عاماً يمثلون 48 مؤبداً و35 عاماً إيصالها لنا..فهل وصلت رسالته؟


