من أجل النهضة لابد من القلم وما يسطرون، ولم تكن الحضارة لتسجل لولا الكتاب المسطور في رق منشور، وأول كلمة نزلت في الإنجيل في البدء كانت الكلمة، وحين حاول الشيطان امتحان عيسى بن مريم بأن عرض عليه مجد العالم قال له مكتوب لا يعيش الإنسان بالخبز وحده بل بكل كلمة طيبة، وحسب توفلر في كتابه المشهور عن الثورة الثالثة أنها المعرفة، وأول سورة نزلت من القرآن كانت سورة العلق، وأول كلمة فيها كانت كلمة اقرأ، وأهمية القراءة أنها تقدح زناد الوعي فليس مثل الوعي نورا، وحسب الكواكبي أن العوام يتنازعهم الحكام والعلماء بالتنوير العقلي أو بالتخويف من المستبدين، والوعي هو القوة التي تحرر الإنسان، ومنه جاء في القرآن إن رصيد التغيير هو ما بالنفوس (وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وأذكر هذا الشعور جيدا حين خسرت زوجتي فصغرت الدنيا كلها في عيني ودخلت ثقبا أسود من الأحزان حتى أخرجني الله منه بفضل وكرم. وإذا كان العلم هو الذي يحرر الإنسان ويغير الإنسان فعلينا أن نقصد ثلاث زوايا ندعو المقتدرين إلى الانتباه لها، فأوروبا لم تعرف رياح التغيير حتى تم الالتحام بين رأسين مهمين هما الفلاسفة والحكام والنبلاء ومنها انتشرت بؤر التنوير العقلي، ولم تكن لتقوم عصور التنوير لولا أدمغة قليلة بدأت تفكر لنفسها وتقتحم فضاءات معرفية جديدة خارج الكنيسة واللاهوت، فخلصت من الإقطاع واللاهوت واستبدلتها برأس المال والعمل والصحافة والبرلمان وحرية الرأي بدون خوف وحدود، والعالم العربي اليوم لن يتغير أيضا ما لم يتشكل تيار عقلاني نوراني يسبح بحمد الله الذي يعرف السر وأخفى، وأدعو أنا المقتدرين إلى ثلاث:
أولا: ترجمة ذخائر الفكر من كل فج عميق فلا نهضة بدون ترجمة، ومنها مجموعات الكرونيك الرائعة التي هي عندي باللغة الألمانية حول تاريخ الأرض وتاريخ الإنسان الأنثروبولوجي وتاريخ البشرية وتاريخ القرن التاسع عشر والعشرين بل وتاريخ الطب وتاريخ المرأة، بل ويجب رصد جزء خاص عن تاريخ الإسلام كما فعلوا في تاريخ المسيحية بدقتهم الألمانية المعهودة، وحاليا يقوم الألمان بمشروع خطير سوف ينتهي مبدئيا عام 2025 هو الجينوم القرآني في مسح راداري لكل ما يتعلق بالقرآن الكريم.
إن اليابان لم تكن لتنهض بدون فتحها للعلم أيا كان مصدره، فالعلم تراكم وذخيرة إنسانية وليس نتاجا غربيا، بل عمل تراكمي عبر ستة آلاف سنة بعد بناء الحضارة واختراع الكتابة.
وهو ما أشارت إليه فواتح السور بالحرف، فالحرف كتابة، والكتابة هي الذاكرة الجديدة للإنسانية التي لا تبلى.
وحاليا توجد مشاريع لإيداع ثمرات الأقلام وإبداع العقول، على شكل مايكرو فيلم في صدوع الجبال الرواسي في فرايبورج في ألمانيا، أو حتى التفكير في إيداعها على ظهر القمر، فيما لو تعرضت الحضارة الإنسانية لخطر الانمحاق والزوال فتكتشف من كائنات ذكية أخرى. كما يوجد مشروع جديد لمسح كل المعرفة الإنسانية من الكتب التي كتبت حتى اليوم بحيث يمكن تصويرها بالروبوت وخزنها بطريقة الديجتال.
مشروع الجينوم القرآني الموازي لكتب التفسير عندنا فقد آن الوقت للتقدم إلى مشروع جديد يقدم تفسير القرآن بطريقة جديدة تعتمد العلوم الإنسانية المساعدة، فلا يمكن فتح جمجمة مريض اليوم بالأدوات الفرعونية القديمة، بل لابد من الطب الحديث من تخدير وتعقيم وطرق تشخيصية متقدمة. وهذه الفكرة أكررها دوما بدون ملل من أجل الإصلاح الديني فأوروبا لم تكن لتدخل عصر التنوير قبل أن تنتهي من فترة الإصلاح الديني في القرن الخامس عشر، وهو ما يشير إلى أن رحلة التغيير عندنا يمكن ضغطها والتسارع فيها.
ثانيا: مشروع الأحاديث الحيوية وإن أمكن بطريق الكارتون، وأفكر أنا شخصيا بمشروع يشبه الأحاديث النووية وكانت فكرة عبقرية من صاحبها الحوراني السوري (قرية نوى من حوران) حين عمد إلى جمع أربعين حديثا حيويا مناسبا لعصره، ولعلنا نعمل نفس الشيء فنجمع قريبا من مائة حديث حيوي يلقي الضوء على مشاكل العصر، ومنها مثلا مراجعة الذات في حديث أبي موسى الخولاني ألا نلوم أحدا بل أنفسنا، ومنها حديث روح المبادرة بزرع فسيلة ولو كانت القيامة في طريقها للقيام، وحديث السفينة والمسؤولية الاجتماعية ألا يسكت أحد عن الخطأ بل يعرف أن المجتمع سفينة حين تغرق يغرق معها الجميع.
ثالثا: مشروع تفسير عصري بالصوت والصورة مع استخدام العلوم الإنسانية المساعدة ويمكن إضافة إنتاج عصري بالكارتون للسيرة في وجه ما فعل الحاقدون في الدنمرك.

