سيناريو الثورات في معظم الدول العربية يكاد يكون صورة كربونية متكررة في تفاصيلها؛ تبدأ بخروج سلمي متواضع لشباب يطالبون ببعض الحقوق المدنية والاجتماعية بعد أخذ الموافقة من السلطة الحاكمة، تزداد أعدادهم كل ساعة ثم تتحول المسيرات إلى اعتصامات مستمرة في بعض الميادين الرئيسية، فتضيق الشرطة بهم ذرعاً وتحاول تفريقهم بوسائل عدة وتهددهم بالاعتقال وفض اعتصامهم بالقوة.... يرفض المعتصمون هذه الإجراءات ويؤكدون أن مطالبهم إنسانية وخروجهم سلمي.
تبدأ الشرطة مرحلة استخدام القوة وإطلاق قنابل الغاز وتحريك عربات المياه الساخنة والعادمة، فيزداد المعتصمون إصراراً على مطالبهم حتى تحقيقها غير مبالين بالقوة المستخدمة، ومع ازدياد اعدادهم وشعورهم بثقة أكبر تصبح تحركاتهم أكثر تنظيماً ويختاروا لأنفسهم يوماً يميز تحركهم (الخامس عشر من آذار، الخامس والعشرين من يناير، الرابع والعشرين من آذار..وهكذا) ويصممون موقعا إخبارياً ينقل تفاصيل الأحداث بالصوت والصورة، وينشرون لقطات فيديو مؤثرة عبر اليوتيوب وينشئون صفحة عبر الفيس بوك تأخذ نمطاً واحداً في التسمية المكونة من ثلاثة حروف (رعد- برق- رصد ..الخ ) .
يصمت الحاكم ولا يخرج للجماهير في بداية تحركهم ، ويفضل مراقبة ما يحدث عن بعد ويكلف الداخلية بعمل اللازم علها تنجح في تقويض التحرك، ويوصي من خلف الأستار باستخدام كل ما هو متاح، ويدعي أمام وسائل الإعلام أنه سيعمل على حماية المتظاهرين والوقوف معهم.
تفشل القوة والتهديد في ثني المعتصمين عن مطالبهم وفض اعتصاماتهم، ويتجرأ المحتجون أكثر بعد أن ازدادت أعدادهم فينصبون خياماً ويشكلون لجاناً متعددة المهام، ويقيمون مستشفى ميداني، ويوطّنون أنفسهم لمعركة طويلة، ويصدرون البيان الأول والثاني؛ ثم تنضم إليهم حركات المعارضة التي تأخذ ثورتهم إلى منحى آخر وتصبح المطالب سياسية بامتياز، ومع شعور المحتجين بالقوة والتفاف الناس والجزيرة حولهم تبدأ بالإعداد لأيام الجمع ذات المسميات التي المعبرة عن عناوين وأهداف ، فجمعة الغضب وجمعة التحدي وجمعة الانتصار ..الخ.
يشعر الحزب الحاكم بالخطر فيخرج جماهيره المؤيدة للنظام والمطالبة ببقائه ، وتترك الشرطة الميدان للمعارضين والمؤيدين وبينهم "البلطجية" ينهون أمرهم بأيدهم مستخدمين العصي والحجارة والملتوف ولا مانع من إحضار الخيل والبغال والحمير.
يظهر الحاكم ثانية بعد فشل العسكر ميدانياً مخاطباً جماهيره بالوعد والوعيد، يتحدث عن حقوقهم وزيادة الأجور ومحاسبة المفسدين وإلغاء قوانين الطوارئ والسماح بتكوين أحزاب سياسية...الخ، لكنه يصف في ذات الخطاب الاعتصامات بالمشبوهة تحركها أيد خارجية تريد النيل من استقرار الوطن وتهدد أمنه وسيادته، وأن هناك محاولات لضرب الاقتصاد...الخ
يرفض المعتصمون هذا الوصف ولا يلتفتون للامتيازات والتنازلات، بل يقولون لقد فات أوانها وأصبحت المطالب تتعدى رغيف الخبز وإنهاء البطالة لتصبح دعوات لنيل الحرية والكرامة.
تخرج الشرطة عن عقالها بعد موقف المعتصمين الرافض لتنازلات النظام وتبدأ بإطلاق الرصاص الحي فيسقط الشهداء.. وهي لحظة يستثمرها المحتجون جيداً ليقولوا ..نريد إسقاط النظام الذي تجرا على مسيرة سلمية بالقتل والدم....ولا تراجع.
تبدأ الانشقاقات في النظام فيستقيل بعض المحافظين والضباط والسفراء وينضمون إلى الثورة عندما يروا ضعف النظام وانفضاض الدول عنه وازدياد قوة المحتجين ودعمها؛ في اليوم التالي يخرج الرئيس ليقول انه أعطى أوامره لوقف إطلاق النار وعدم استخدام الرصاص الحي والحفاظ على سلامة المواطنين ويشكل لجنة تحقيق فورية للأحداث.
تتحرك الجماهير في كل المدن وتتضامن الميادين مع بعضها وتطالب كل المدن بالقصاص وإسقاط النظام وتغيير الحاكم ولا تقبل غير ذلك، فيخرج القائد مرة ثانية وثالثة وفي كل مرة يقدم تنازلاً أكبر ويقدم اصطلاحات تغري المحتجين ..فيقولون ..لقد انتهى هذا العهد.
يزداد النظام وحشية وبطشاً؛ وتزداد الجماهير عناداً وصبراً وقد رأت من حولها أن الجماهير قادرة على تحقيق مطالبها عندما يسقط الشهداء ويهدم حاجز الصمت والخوف.
تدخل الدولة في دائرة مفرغة من الأحداث وردود الفعل إلى أن يتدخل طرف ثالث قد يكون عربياً أو دولياً، وبحسب ما تمتلكه الدولة من إمكانات اقتصادية ومقدرات يكون حجم التدخل وطبيعة التحرك حتى يتآكل النظام ويسقط أو ينجح في الالتفاف على الجماهير وإسكاتهم.
كلاكيت أحداث الثورات العربية تكرر في كل الدول التي انطلقت فيها الثورات أو التي ستنطلق خلال الأيام القادمة والسؤال... هل هذا التشابه و النمطية في تسلسل الأحداث جاءت صدفة؟ أم هي الفوضى الخلّاقة التي بشرت بها كوندليزا رايس قبل سنوات؟ أم هو التطبيق العملي لنظريات ودورات ولقاءات دفعت لها الإدارة الأمريكية ودول أوروبا ملايين الدولارات خلال السنوات الماضية واستهدفت الشباب تحت عنوان الحرية والديمقراطية؟ أم أن هذه الأنظمة قد انتهى عمرها الافتراضي ووجب تغييرها بإرادة عالمية قبل أن تكون بإرادة وطنية ذاتية؟ لا أدري!!
