الثلاثاء 06 يناير 2026 الساعة 12:41 ص

مقالات وآراء

هجوم إسرائيلي مركّز على «الجزيرة»

حجم الخط

في سياق من الإعلان الصريح عن تصاعد الضيق الإسرائيلي من فضائية الجزيرة، نظم معهد الحوار الإستراتيجي في الكلية الأكاديمية في مدينة نتانيا مؤتمراً تركز حول دور الجزيرة في الثورات العربية الأخيرة، وكان مدير المركز "إفرايم سنيه" في مقدمة من شنوا الهجوم على المحطة ومموليها معتبراً أنها انضمت إلى محور المقاومة الذي يشكل برأيه خطراً وجودياً على الدولة العبرية، وأن من الضروري اعتبارها عدواً وفق كل المقاييس.

 

بعد "سنيه" شن المتحدثون الآخرون هجوماً حاداً على الجزيرة، وكان من بينهم البروفيسور "دوف شنعار" الذي اعتبر أن الجزيرة باتت قناة إسلامية تشجع المتطرفين الراديكاليين الإسلاميين، وأنها تحولت من وسيلة إعلام إلى لاعب مركزي في الثورات العربية. وقد حظي العلامة الشيخ يوسف القرضاوي بنصيب وافر من الهجوم، فيما هاجم المستشرق "داني روبنشتاين" المحطة بسب نشرها لوثائق المفاوضات الفلسطينية.

 

المشارك الوحيد الذي غرّد خارج السرب، كان الصحفي الفلسطيني "من عرب "48 زهير إندراوس، الذي لم يكتف بالدفاع عن الجزيرة والتأكيد على أنها تسمح بالرأي والرأي الآخر، وبأنها ليست إسلامية، بدليل أن المحلل الرئيس الذي يظهر على شاشتها هو المفكر العربي القومي (المسيحي) عزمي بشارة، بل أضاف إلى ذلك هجوماً على وسائل الإعلام العبرية التي تحولت إلى كتيبة فعالة في جيش الاحتلال أثناء العدوان على قطاع غزة.

 

ليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها الجزيرة لمثل هذا الهجوم من الدوائر الإسرائيلية، لكن وقائع المؤتمر الذي نحن بصدده تؤكد حجم الضيق الذي ينتاب تلك الدوائر من المحطة من جهة، فيما يعكس من جهة أخرى حجم القلق الذي تعيشه من جراء تتالي الثورات العربية التي تشير إلى تداعي المعادلة السياسية التي خدمت دولة الاحتلال طوال عقود (لا ننسى بالطبع ضيق الأنظمة العربية منها).

 

من الواضح أن الدور الذي لعبته الجزيرة في الثورات العربية هو الذي ذكّرهم بها أكثر من أي شيء آخر، وهو دور لا ينكره عاقل، إلى جانب أدوات الاتصال الحديثة الأخرى مثل الفيسبوك وتويتر ويوتيوب، والتي يصعب على الدوائر الإسرائيلية مهاجمتها كما هو حال الجزيرة.

 

ما يريده الإسرائيليون من الجزيرة والحالة هذه هو أن تتحول إلى أداة باردة موغلة في الحياد تتعامل مع الناس الذي يخرجون بالملايين إلى الشوارع ويتلقون الرصاص الحي، تماماً كما تتعامل مع كارثة بيئية، أو سقوط طائرة في البحر المتوسط، ولا يتعلق الأمر بمصداقية المحطة التي يحرصون عليها، بل يتعلق بقدرتها على تحريك الشارع بهذا القدر أو ذاك، فضلاً عن الانحياز لهمومه.

 

المهنية والموضوعية لا تتحقق بحسب هؤلاء إلا حين أن تحصل الغالبية الساحقة من الشعب المصري التي هتفت ضد حسني مبارك على ذات الوقت الذي يحصل عليه انتهازيو الحزب الوطني الذين كانوا يهتفون للرئيس العظيم، الأمر الذي ينطبق على بن علي، وعلى العقيد معمر القذافي.

 

مطلوب من الجزيرة التي كسبت مصداقيتها بوصفها محطة العرب الأولى أن تتعامل مع قضاياهم بحيادية وبرود، الأمر الذي لم تفعله البي بي سي بالنسبة لمعارك بريطانيا الخارجية، ولا السي إن إن في معارك أمريكا الخارجية، فضلا عن سكاي نيوز البريطانية وفوكس نيوز الأمريكية، وكلاهما أكثر تطرفاً بكثير في التعبير عن الهموم القومية.

 

من الواضح أنه ليس في وارد الجزيرة أن تغير خطها لكي تنسجم مع المطالب الإسرائيلية، ولا الأمريكية أيضاً، وليس أمامهم لمواجهتها تبعا لذلك سوى إنشاء المزيد من المحطات الناطقة بالعربية، أكانت بتمويلهم المباشر، أم بتمويل بعض عرب الاعتدال الذين لا يقلون بدورهم حقدا على الجزيرة، ولا شك أن بعضهم قد حقق قدراً من النجاح حين قدم البضاعة الأمريكية للمشاهد العربي، وإن بقي النجاح محدوداً في الشأن السياسي.

 

يبقى القول إن الجزيرة ليست بحاجة إلى شهادة من أحد لأن ضمير المواطن العربي ينحاز إليها رغم كثرة المشككين، لكن حقد الدوائر الإسرائيلية عليها يشكل تأكيداً جديداً على صحة بوصلتها، فمن يعاديه الصهاينة على هذا النحو يكون في الاتجاه الصحيح، ولكن المنافقين لا يعلمون.