ما أروعها من لحظات تلك التي عشناها يوم كنا نجمع الحصى ، ونعيد ترتيبها يوما بعد يوم على ساحة جرداء لا خضرة فيها، مر بنا رجل نظر إلينا وضحك، قال ماذا تفعلون، قلنا نبني جبلاً، برزت عيناه من وجهه، وسأل: ماذا قلتم أتبنون جبلاً من الحصى؟!، نعم من الحصى، ضرب كفا بكف وانصرف وهو يلتفت إلى الخلف ويقول لا حول ولا قوة إلا بالله، أمن الحصى يُبنى جبل؟!
كنا مجموعة صغيرة نظرنا إلى بعضنا البعض، وسألنا أنفسنا، لماذا استغرب الرجل ، أليس هذه الجبال هي من الحصى التقى فيها أناس مع بعضهم البعض, صبروا والتحموا وخططوا وهندسوا وأخذوا يجمعون ثم بنوا جبالهم الكبيرة التي تحمل ميراث أجيال وحضارة أمم وتاريخاً سطروه على كل حصوة من حصى جبالهم، فكانوا كلما أرادوا أن يعرفوا عن تاريخهم شيئا ذهبوا إلى تلك الجبال ونظروا فيها وتأملوها حجرا حجرا حتى تعود لهم ذاكرتهم ويعيدوا ذاكرتهم إلى عقولهم، ليجددوا حياتهم ويبنوا على مَنْ بنى ممن سبقهم فتزداد جبالهم تألقاً وزهواً بها.
جبالنا ليست من الحصى، جبالنا من فكر وثقافة و فنون، أهملناها أنها ليست من أولويات عملنا، أهملناها لجهل في أهميتها، علما أنها عند أُولي الفهم والبصيرة ذات قيمة كبيرة، وهي في قمة أولوياتهم ينفقون عليها الكثير لأنها أداتهم للبناء، خاصة عندما يكون البناء للإنسان، فإعطاء الجسد الاهتمام على حساب العقل فيه تدمير لتلك الجبال التي بنيت من الحصى، لأننا نريد أجسادا قوية قادرة على حمل عقولنا التي وعت حقيقة الماضي ولحظات الحاضر وآفاق المستقبل، كيف يمكن أن نبني جسدا دون أن نبني العقل، كيف نحافظ على الجسد بدون عقل، والعقل يا سادة لا يُبنى بدون ثقافة، والثقافة بحاجة إلى رعاية وتنمية وتطوير، ولا تأتي الثقافة مرة واحدة ولا تقتصر على جانب دون آخر.
ثقافتنا هي سر قوتنا، ثقافتنا هي ميراث وموروث يجب أن لا نهملها، ثقافتنا تاريخ وحضارة، صورة وحركة وكلمة، شعر وقصة، ثقافتنا دين ودنيا، ثقافتنا بناء للعقل وللروح وللجسد، ثقافتنا سر بقائنا وبقاؤنا في قوتنا وقوتنا أساسها العقل، فلا تهملوا عقولنا من خلال إهمال ثقافتنا، أعيدوا لنا ثقافتنا، حتى تعود لنا عقولنا.
لا حياة بلا عقل، ولا عقل بلا ثقافة، ولا ثقافة بلا اهتمام، إهمال الثقافة هو إهمال لركن أساسي في بناء المجتمع، ومجتمع بلا ثقافة مجتمع بلا ميراث ولا موروث، فلا تهدموا الثقافة، لان هدم الثقافة هو هدم للتاريخ، وللحضارة، المشهد الثقافي خطا خطوة لا بأس بها رغم الإهمال الذي أصابه، أعطيت مساحة في الحكومة قبل التعديل فحققت نقاطاً يبنى عليها، المشهد اليوم أمامي يدعو للقلق، ويشير إلى أننا مقبلون على مرحلة إهمال للثقافة، وهذا مؤشر خطير لأن فيه إهمالاً للعقل، أعيدوا لنا ثقافتنا حتى تعود لنا عقولنا، ونحافظ على تاريخنا وحضارتنا ونعيد بناء ما هُدم على مر السنين، وأول البناء هو بناء العقل، والثقافة أساسه وحاميته.

