الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:37 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

إنجازات الثورة 2

حجم الخط

إن إنجازات الثورة تجل عن الحصر، وتستعصي على الإحصاء والتعداد، فهي كالمتلازمات والمتواليات تستدعي بعضها بعضاً، ولا تزال تتكاثر وتتداعى وتتراكم ويبتني بعضها على بعض، ومع الزمن تتضاعف ولا تتوقف، فهي كأي تفاعلات اجتماعية، تفاعلات دينامية متسلسلة، وليست ستاتيكية محدودة يمكن تأطيرها والتوقف فيها عند حد.

 

ولقد ذكرنا عشر نقاط من هذه المنجزات في حلقة سابقة، ولعلنا نلحق بها عشرية أخرى من المنجزات في هذه العجالة أو المقالة:

 

1- عودة كثير من الطاقات والكفاءات المهاجرة إلى الأوطان.

ومع أننا ركزنا حديثنا عن مصر في الحلقة السابقة، وربما هذه، لكن ذكر مصر ليس أكثر من نموذج أو مثال وليس للحصر ذكر مصر.

 

لقد تركت أوطان العرب ودولهم قدرات لا تقدر بثمن ولا بمردود مادي مالي أو تحويلات يحولونها إلى وطنهم الأم وأهليهم. فكفاءتهم وكفاءة أمثالهم أولى بها أوطانهم وشعوبهم وأمتهم ومستقبل هذه البلاد، وقد كانت هذه الكفاءات تستغل في إعمار بلدان أخرى، وكثير منها في حالة عداء مع أوطاننا وقضايانا، فتكون الخسائر مزدوجة. فَوْت إعمار هنا، وإفناء أعمار، وبذل أفكار، وإحداث إعمار هناك!

 

وما كُره الديار دفع أصحاب العقول إلى ترك الديار، ولا بغض الأوطان وحب الثروة وجمع المال هو الذي وجه قلوع سفائنهم إلى البحار البعيدة والديار الغريبة. ولو كان كذلك ما رجعوا، وسترى في مقبلات الأيام عودات مكثفة لهذه الطاقات.. مما يسرع من وتيرة النهضة وإحداث النقلة والارتقاء بالواقع الذي ارتكس في حمأة التخلف والتردي والتراجع في كل منحى من مناحي الحياة.

 

2- عودة رؤوس الأموال المهربة أو المنهوبة.

 

من كان يحب وطنه كما يزعم فلم ينهبه ويفقره، ويلحقه بالأرض ويجعل أهله يسفون التراب؟ من كان يحب بلده كيف يهدم عمادها وعصب اقتصادها: الثروة؟ أليست كل المشاريع عصبها المال؟ أليس التعليم والصحة وتحسين المواصلات خططاً تحتاج إلى مال؟ أليست الزراعة واستصلاح الأراضي وشق القنوات برامج مهمة شريانها المال، وتهجيره يعني تصحير البلاد وإفقار العباد؟ أليست الصناعة بنى (جمع بنية) جلّها مال، فانعدام رأس المال هدم لكل شروع في مشروع صناعي، فأين حب الديار التي شغفت قلوبكم؟ لقد هجرت من البلدان العربية عدة تريليونات (لا تقل عن 3 ترليون)، لو وزعت على أفراد العالم العربي لكان نصيب كل فرد من (الكاش) عشرة آلاف دولار لكل صغير وكبير ورضيع.

 

والمصيبة أن هذه التريليونات تعمر بها بلاد الخواجات وبلادنا ترزخ تحت وطأة الديون بفوائد (للقرض المستعجل) تصل إلى 20 في المئة وتتراكم على الدول المنهوبة مئات بلايين الدولارات وفوائدها السنوية عشرات البلايين التي لا يتمكن الشعب من سداد هاتيك الفوائد، فأنى تسدد الديون؟ وعودة هذه الأموال لن تتم بالجهد السهل بل تحتاج إلى وقفة صلبة، ومطالبة لحوح. وعندما أنكر الحقيد أن له بلايين في كل من بريطانيا وسويسرا، وغيرها، فماذا لو قالوا له: صدقت!؟ أين تذهب هذه المقدرات. لكن لا يضيع حق وراءه شعب ثائر مطالب! هذه الأموال والثروات والتريليونات نحن أولى بها لصحتنا وتعليمنا وغذاء أطفالنا وعمراننا وتصنيع أوطاننا، وتحسين البنى التحتية في أقطارنا، وشبكات الصرف التي تطفح في المحروسة كل يوم فتجعل معيشتهم بالنكد مغموسة! هذه المقدرات عادت حلت مشكلات كانت تطحن الشعب طحناً، فلماذا يعيش في المقابر لا أقل من أربعة ملايين وبلاييننا في الخزائن السرية في البنوك السويسرية؟ لماذا نسكن في عمارات أو خرائب آيلة للسقوط، يسقط منها كل بضعة شهور عينة، تأخذ من الضحايا ما تشاء. أتذكرون سكان العشوائيات عند سفح المقطم عندما انفصل جزء من الجبل فانحدر فوق رؤوسهم كم مات منهم. كل هذا وغيره سيصلح إن شاء الله. والزيت إن كان بحاجته البيت يحرم على "الجامع". أعني جامع المال.

 

3- عودة السلطة إلى الشعب.

لقد اختطفت السلطة من الشعب عبر سنوات من الجهد والعمل المتدرج وصولاً إلى التهميش المطلق، والتغييب الهائل الجسيم، وتعطيل الطاقات، والحكم بلا قانون ولا دساتير تحت دعاوى الطواريء لوجودنا في مواجهة مع العدوان الإسرائيلي، والحقيقة أن العالم العربي كان في حالة تحالف إستراتيجي وتكتيكي مع هذا العدو الذي تذرع به لفرض غياب القانون وتغييب الشعب. فالآن يعود الشعب إلى الواجهة. وما أجمل إصرار شباب ميدان التحرير على إقالة حكومة أحمد شفيق التي هي امتداد للعهد المباركي، وهم الذين اقترحوا "شرف" للرئاسة لأنه كان شاركهم التظاهر، وما أجمل أن ينزل رئيس الوزراء إلى الميدان فيحمل على الأعناق، ويخطب في الجماهير ويقول لهم: أنا أستمد شرعيتي منكم من هذا الميدان، لا من أي قوة أخرى في مصر. والله زمان يا جماهير يا هادرة يا ثائرة يا مغيرة، والله زمان!

 

هذه العودة هي أهم العودات. فهي الغائب الذي عودته عودة الروح. وهذا الفقد تم بمجهود خارق، والعودة كذلك، أما العنصران السابقان فالأمر فيهما أهون وأيسر.

 

عادت السلطة إلى الشعب والتفريط فيها بعد اليوم انتحار لا ينفع معه أعذار..

 

4- تشكيل "الهندسة الجغرافية السياسية للشرق الأوسط".

كان الذي يطرح علينا رؤيته للشرق الأوسط، دائماً القوة العدوة. فقبل "قرنين من الزمان بشّر وصول نابليون إلى أرض مصر بنشوء الشرق الأوسط الحديث كما يقول كورسكي كبير زملاء السياسات لدى المجلس الأوربي للعلاقات الخارجية. وقد طرح كما تذكرون هذا الاسم مرات على أسماعنا في أعقاب كل غزو تعرضت له المنطقة. ويقول الباحث: "إن قدرة الغرب على التأثير على الشرق الأوسط الذي سيتشكل في غضون الشهور المقبلة سوف تتضاءل إلى حد كبير." كانت دولة بحجم إسرائيل تطرح مصطلحها "شرق أوسط جديد"، ولا يحتاج الأمر إلى أمريكا وأوربا، فالآن بات عصياً على قوى عظمى مثل هذا الأمر الذي كان يسيراً على دولة بحجم "إسرائيل"!

 

وفي ختام بحثه يقول المذكور آنفاً: "والواقع أن الهندسة الجغرافية السياسية لهذا الشرق الأوسط الجديد تشكلها الآن الثورات في شمال إفريقيا.. ولن يجد الغرب بعد الآن أي سهولة في الإبحار عبر التضاريس الإستراتيجية الناشئة عن هذه العملية." راجع السبيل عدد 5/ 3/ 11.

 

5- إضعاف السياسات والنفوذ الغربي في منطقتنا.

في البحث الذي ذكرناه في النقطة السابقة إشارة إلى "أن الركائز الثلاث التي يستند إليها النفوذ الغربي في الشرق الأوسط، وهي: الوجود العسكري القوي، والعلاقات التجارية، وعصبة من الدول التي تعتمد على الدولار، تتهاوى الآن.."

 

أما بخصوص مصر، فبعد أن تكلم البحث عن غيرها قال عنها: "لقد كان حسني مبارك بمثابة العمود الفقري للسياسات الغربية، فلم يكن يتعامل بأي قدر من الهوادة مع أعداء الولايات المتحدة المحتملين، وكان بوسع الغرب أن يعتمد على ظهور حسني مبارك في محادثات السلام مع إسرائيل، أو أن يستخدمه (حلوة!) لإضافة بعض الثقل للموقف الأمريكي في إيران. والآن أصبح التحالف الأمريكي المصري مهدداً، ومعه أصبحت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بالكامل مهددة، مع انهيار الركائز الثلاث.. (ذكرت سابقاً) التي يستند إليها الغرب في التعامل مع الشرق الأوسط." وهذا إنجاز مهم كبير. وفي السبيل عدد 6/3 بيان للجهد الخارق الذي تبذله أمريكا لتحافظ على المصالح الأمريكية والإسرائيلية في مصر والمنطقة.

 

6- تحسين مستوى معيشة المصريين، بل المنطقة برمتها.

كان الإفقار مفتعلاً، فسوى النهب والجشع والطمع هناك إستراتيجية تتلخص في شعار: "سمّن كلبك يأكلك، جوّع كلبك يتبعك." كانت هذه السياسة الشيطانية نهجاً متبعاً ليظل الشعب مشتغلاً بالحاجات اليومية منشغلاً عن الأمور السياسية.. لأنه "إن لم تشغل الشعب شغلك، واشتغل بك، فاجعل همه في لقمة العيش وقرص الدواء".

 

الآن بعد أن عادت السلطة للشعب، فلا داعي لإشغاله. من كان يتصور أن يشتغل المواطن المصري ساعات كل يوم لتحصيل رغيف العيش وطوابير الخبز، فإذا فرغ من العيش، وجد أسطوانة الغاز قد فرغت، وهات يا بحث عن أسطوانة في الحتة كلها، وهذه ساعات أخرى ضاعت بحثاً عن أسطوانة، وأزمة المواصلات، وأزمة التلوث، وأزمة السكن، حتى صار السكن أو الزواج أو العثور على شقة حلماً عصياً. ونشأت مشكلة العنوسة مرتبطة بمشكلة السكن، ومشكلات آخذ بعضها برقاب بعض. لا أقول أن هذا سيحل في شهر، لكن على الأقل سيتوقف المفتعل من المشكلات.. التي كان يراد منها الإشغال.

 

أما المنطقة فستشهد إصلاحات جزئية استيعابية امتصاصية وهذا بحد ذاته سيخفف الأعباء عن كاهل المواطنين ولو نسبياً أو جزئياً.