ليبيا مخاض عسير . المخاض في ليبيا عسير بحكم الوضع الخاص والاستثنائي لنظام الحكم في ليبيا . في بيـان هذا الوضع الاستثنائي رفع بعض المحللين شعار (الشعب يريد إقامة النظـام) وليس إسقاط النظام لأن النظام غير موجود أصلاً في ليبيا القذافي . 42 عاماً هي سنوات حكم القذافي يلخصها المهتمون بقولهم في ليبيا فرد حاكم وليس نظام حكم . إنه حكم الفرد وعائلته .
مخاض ليبيا يختلف عن مخاض الثورة المصرية والثورة التونسية . في ليبيا حكـم عسكري, وأبناء الحاكم هم الذين يقودون الجيش وكتائب الأمن . ولديهم اعتقاد أن ليبيا ميراث أبيهم يجب أن يدافعوا عنه حتى آخر قطرة دم . ولهذا ليس من الممكن أن تستمر ثورة الشعب سلمية في ضوء قصفهم بالطائرات, ورميهم بالرصـاص.
البعد العسكري المسلح هو جزء طبيعي في مجتمع ليبيا تحت قيادة كتبت تاريخها بالدم, والتأله . وهذا التطور نحو السلاح أمر طبيعي في هذا المجتمع الممتد المترامي الأطراف, وهو أمر لا يعيب الثورة, ولا يجهضها, ولا يضيرها, وإنما هو أمر لازم حتى تنجح الثورة في ضوء هذه البيئة آنفة الذكر.
لقد جاء خطاب القذافي الأخير مبرراً لهذا التحول وشارحاً له . قائد الثورة يملك السلاح والجنود والمال, ويهدد شعبه بالقتل والزحف والتدمير, ويصف شباب وطنه بالجرذان والسكارى ومتناولي المخدرات, ويذهب إلى تعظيم نفسه قائلاً أنا المجد, وأنا التاريخ, وهذه كلها أمور تكشف عن الإجابة الشافية لسؤال لماذا تحولت الثورة إلى العسكرة والسلاح .
ميركل, المستشارة الألمانية وصفت الخطاب بأنه مرعب, ورأى آخرون أن الخطر القادم كبير, ومع تفهمي لهذا التقديرات, فإني أرى أن القذافي لا يملك القوة الكافية لتنفيذ تهديداته, وأحسب أن الخطاب يعبّر عن ضعف لا عن قوة , وعن قلق لا عن يقين . ولا أحسب أن فترة المخاض العسير ستطول, وأرجح أن تصل الثورة إلى هدفها الرئيس في أيام قليلة .
القذافي يراهن على الحرب الأهلية, وأحسب أن الصمت الأميركي والغربي ينطلق من تقبل هذه المراهنة, لذا هو يؤجل مواقفه ويدخرها للمرحلة اللاحقة.
ثمة من نبه على خطة القذافي لإشعال حرب قبلية أهلية من خلال رصد عملية توزيع سلاح وذخيرة على عناصر موالية للقذافي إضافة إلى المرتزقة الأفارقة . أعتقد أن التنبيه في مكانه بغرض أخذ الحيطة والحذر . ولكني لا أجد أدلة مكتملة كافية لقيام حرب أهلية, وأعتقد أن المبالغة في التخوف من حرب أهلية قد تستقطب مخرجات سلبية .
لا أحسب أن المنطق يتقبل مساواة الحالة المصرية بالحالة الليبية . والحالية الليبية مختلفة تماماً, لذا قلنا عن مخاض الثورة الليبية مخاض عسير بسبب هذا الواقع المختلف, غير أن ما بعد المخاض بشرى الحرية والعدالة الاجتماعية.
