المرحلة الانتقالية في مصر ذات طبيعة معقدة بغض النظر عن المدة التي يمكن أن تستغرقها هذه المرحلة . لماذا أذهب إلى وصفها بالمعقدة ؟! الجواب خليط من الأمور المتداخلة وأولها: (طبيعة التغيير) ما صفته ؟ وما مهيته ؟ وما حدوده ؟ ما حدث في مصر هو (ثورة شعبية) في الوصف المحبب للنفس ولصناع الثورة. ولكن نظرة في العمق تقول: إن الثورة لم تكتمل، لان قادة الثورة لم يتسلموا الحكم. وإن الثورة أطاحت بالرئيس على قاعدة الثوار، ولكنها دخلت بعد الرئيس على خط (الإصلاح لا التغيير الثوري) فمفردات النظام القديم لا زالت موجودة في أماكنها.
نعم إنها (ثورة شعبية) ولكنها في الفصل الختامي ، أو ما قبل الختامي لها ، استدعت صيغة (الانقلاب) الذي قادة المجلس العسكري الأعلى الذي تسلّم الحكم نيابة عن الثورة ، وبطلب من الثائرين ، ومن ثم أخذت الطبيعة (الانقلابية) تزاحم الطبيعة (الثورية) في التحكم في المخرجات وفي إدارة الفترة الانتقالية. وتذكروا هنا منهجية البيان رقم (4،3،2،1 ..الخ) وما زال المجلس الأعلى في حالة انعقاد دائم بعد أن استحوذ على المسؤولية العليا التي حلت محل الرئيس المخلوع ، وثابتاً في الموقع عن قادة الثورة.
نعم هي (ثورة شعبية مباركة) لجأت إلى طبيعة (انقلابية جزئية) كمخرج اضطراري ، ثم اتجهت الطبيعتان (الثورية- والانقلابية) إلى (الدستور) أو (الدستورية) في البحث في المخارج والحلول اللازمة سواء بحل مجلسي الشعب والشورى أو بتعليق الدستور، أو بتشكيل لجنة تعديل له . المهم أن الصفة الدستورية القانونية زاحمت (الثورية-والانقلابية) وأوجدت لنفسها مكاناً ، ومن المعروف أن الشرعية الثورية تلغي الشرعية الدستورية تماماً في البيان الأول للثورة . وهذا لم يحصل.
نحن إذن أمام ثورة شعبية ذات أبعاد ثلاثة تشكل طبيعتها وهي (الثورية-والانقلابية- والدستورية) لذا هي ذات طبيعة معقدة في ذاتها (عند الوصف التاريخي السياسي لها) ، ومما يزيد تعقيداتها ثانياً أنها تقع في مصر ذات الموقع (الجيوسياسي) المعروف بتعقيداته الإقليمية والدولية بحكم (مركزية مصر في العالم العربي ومجاورة (إسرائيل)، ومعاهدات السلام). هي في مجموعها أمور تستدعي رغماً عنا (العامل الخارجي) وتدخلاته من اجل المبادرة للمشاركة في رسم ملامح المستقبل بعد سقوط نظام مبارك ، وتوقف الثورة ، ودخولها إلى الغرف المغلقة لرسم ملامح الاستقرار والمستقبل.
طاولة الحوار التي يقودها (المجلس الأعلى للقوات المسلحة) تزدحم فيما أحسب وأتخيل . بالأطراف المباشرة وغير المباشرة ، كل طرف منها يريد أن يشارك في رسم المرحلة التالية بما يحقق مصالحه ، بحسب الرؤية الفكرية التي يحملها . وبعبارة أخرى فإن الثورة لا تقف وحدها في رسم مستقبل مصر ، وهذا ما يعبر عنه في الإعلام من تخوفات على الثورة ، ومن انتقاد لبطء قرارات المجلس الأعلى ، ومن الحركة المضادة ، ومن بقاء رموز النظام القديم ، ومن مهادنة الخارج بالالتزام بالاتفاقيات الموقعة . مصر (أمام ثورة- وحالة معقدة) . ولكنها تغييريه وتتقدم إلى الأمام بخطوات مباركة ومفيدة وإن اختلف المؤرخون في تحديد طبيعة وماهية ما حدث.


