متى تمسك شعوبنا العربية بزمام أمورها كاملة؟ أما زال معظم دولنا العربية مستعمراً بطريقة أو بأخرى؟ المفكر والسياسي التونسي الشهير منصف المرزوقي ألف كتاباً بعنوان "الاستقلال الثاني" يجادل فيه بأن البلدان العربية، وخاصة تونس، حققت الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، لكنها وقعت في براثن استعمار داخلي متمثل بالنخب التي حلت محل المستعمر الفرنسي، وكذلك الأمر بالنسبة لدول عربية أخرى.
ولهذا راح يطالب المرزوقي وغيره بأنه لا بد من تحقيق الاستقلال الثاني، أي استقلال الحرية والديموقراطية الوطنية، لكن ليسمح لي الأخ منصف بأن أخالفه الرأي هنا، فالاستقلال عن المستعمر لم يحدث أبداً إلا لفترات يتيمة، لكن سرعان ما تم إجهاضها لتعود الدول التي حاولت الخروج على الطوق الاستعماري الغربي إلى الحظيرة الاستعمارية، كما حدث بعد جمال عبدالناصر في مصر.
وقد جاءت الثورات العربية الأخيرة في تونس ومصر واليمن وغيرها لتثبت تلك الحقيقة المرة، لقد أثبتت الثورة التونسية الأخيرة على الرئيس زين العابدين بن علي أن النظام التونسي لم يكن فقط حليفاً للولايات المتحدة الأميركية، وهو أمر لا غبار عليه طالما أن السياسة مصالح متبادلة، لكن الأحداث أظهرت ما هو أشد وأنكى، وهو أن جمهورية بن علي كانت في واقع الأمر جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي الأمريكي، وليس مجرد حليف مثل بقية الدول التي تربطها بواشنطن علاقات وثيقة أو طيبة. فبينما تتعامل أميركا مع حلفائها عادة عبر وزارة الخارجية الأميركية، فإنها كانت تتعامل مع نظام بن علي عبر هيئات الأمن القومي الأميركية. ولا ننسى أيضاً أن وزير الدفاع الأميركي السابق سيئ الصيت دونالد رامسفيلد كان يعتبر نظام بن علي على أنه النظام المثالي الذي تريد أميركا تعميمه عربياً.
أضف إلى ذلك أيضاً أن الجمهورية التونسية المزعومة كانت تابعة في الآن ذاته للمستعمر القديم فرنسا بدليل أن باريس صمتت أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً على فظائع بن علي بحق الشعب التونسي طالما أنه كان في الحضن الفرنسي طوال كل تلك المدة. ولم نسمع نقداً فرنسياً رسمياً لسجل بن علي المخزي في مجال حقوق الإنسان إلا بعد أن طردته الجماهير التونسية الغاضبة، فرفضت باريس عندها استقباله وعائلته على أراضيها، طبعاً بعد أن استهلكته تماماً.
ولا داعي للحديث عن علاقات بن علي الحميمة جداً مع إسرائيل وتسهيله عمليات اغتيال القادة الفلسطينيين على تراب تونس. كيف لا وهناك جالية إسرائيلية قوية للغاية في تونس تتحكم بمفاصل الاقتصاد وغيره.
هل غدت تونس حرة مستقلة بعد الإطاحة بالرئيس بن علي؟ بالطبع لا، بدليل أن نظامه مازال جاثماً على صدور الشعب التونسي متمثلاً طبعاً بالطغمة التي كانت تشاركه الحكم على مدى أكثر من عقدين من الزمن. لم يذهب في تونس سوى ممثل النظام التابع، بينما ظل النظام على حاله. وبالرغم من كل المظاهرات والاحتجاجات التي تلت هروب بن علي، فإن محمد الغنوشي رئيس الوزراء وفؤاد المبزع رئيس البرلمان ظلا يتحكمان بالسياسة التونسية. هل يعقل أن يكون إسقاط الرئيس الطاغية أسهل من إسقاط أذنابه بالنسبة للشعب التونسي؟ ما الفائدة أن نستأصل الورم السرطاني سطحياً ونبقي على جذوره تنمو وتتضخم أكثر فأكثر؟ إن ذلك يدلنا على صعوبة الاستقلال الحقيقي عن الهيمنة والنفوذ الغربي، والأميركي تحديداً.
لقد سمحت واشنطن للتونسيين بأن يتخلصوا من رأس النظام فقط. بعبارة أخرى ذهب الديكتاتور وبقيت الديكتاتورية العميلة للمستعمر الغربي على حالها مع تغييرات شكلية في الوجوه فقط. وأنا واثق أن الدكتور منصف المرزوقي ربما سيكتب كتاباً آخر مستقبلاً بعنوان "الاستقلال الثالث" أو ربما "الاستقلال الأول" ليطالب هذه المرة ليس فقط بتحقيق نظام ديموقراطي، بل أيضاً بنظام وطني تونسي يتمتع باستقلال وطني حقيقي وليس مزيف كالذي غشـّنا به بو رقيبة وبن علي من بعده.
باختصار فإن تونس بعد بن علي ما زالت مستعمرة بالرغم من الثورة التونسية المجيدة، فالطبقة التي ما زالت تسيطر على زمام الأمور في البلاد أكثر اهتماماً بتلبية متطلبات المستعمر الأميركي والفرنسي منه بتلبية مطالب الشعب التونسي. ومازال أمام الشعب التونسي شوط للتحرر الحقيقي من الاستعمار الجديد.
ولا يختلف الأمر أبداً في مصر. وقد يكون أكثر هزلاً وفقوعاً من تونس بكثير. ولعلنا نتذكر أنه بينما كان الشعب المصري بملايينه يصرخ ضد مبارك في شوارع وساحات وميادين مصر من أقصاها إلى أقصاها في بداية الثورة أطل علينا التلفزيون المصري بخبر عاجل يعلمنا بأن الرئيس سيدلي بتصريح هام خلال دقائق، فحبسنا أنفاسنا تحسباً لبيان جلل، وإذا به يطل علينا بنبأ يقول إنه قرر تعيين الجنرال عمر سليمان نائباً له، وكأنه بذلك يسخر من صيحات الشعب المصري المدوية وتعطش الشعوب العربية قاطبة للتحرر من نظامه وأمثاله.
تصوروا أن أول خطوة اتخذها الرئيس المصري تحت ضغط الثورة هو طمأنة أميركا وإسرائيل بأنه فيما إذا اضطر للتخلي عن الحكم فإنه عيّن بديلاً لا يقل ارتهاناً وعمالة للأمريكيين والإسرائيليين بشهادة الصحف الإسرائيلية. تصوروا أن أول ما فكر به الرئيس مبارك تحت هيجان الجماهير ليس إرضاء الشعب والنزول عند مطالبه بل إرضاء واشنطن وتل أبيب. ولم يتحدث عن تنازلات دستورية إلا لاحقاً. ولا تغرنكم التصريحات الأميركية التي أبدت استياءها من تعيين سليمان في البداية، فذلك لذر الرماد في العيون، فعمر سليمان يزايد على مبارك في الانصياع للرغبات والتوجهات الأميركية والإسرائيلية. وإذا أرتم أن تتأكدوا اسألوا مفاوضي حركة حماس، فهم أفضل من يستطيع فضح صهيونية عمر سليمان، فقد زار والتقى بالإسرائيليين ونسق معهم أكثر من أي مسؤول في العالم.
ومما يبعث على الغثيان أكثر فأكثر، أن المسؤول الأميركي الذي طار على عجل إلى القاهرة في خضم المظاهرات يقال إنه جاء لمساعدة مبارك وحاشيته ومنها سليمان طبعاً للقضاء على الثورة المصرية المتصاعدة. وكان أول ثمار زيارة المسؤول الأميركي تسليط البلطجية على المتظاهرين الآمنين في ميدان التحرير بغية سحقهم. وإذا لم يتسن له ذلك، فعلى الأقل يمكنه أن يؤمن خليفة لمبارك يلبي شروط ومطالب السيدين الأميركي والإسرائيلي. وأخشى ما أخشاه أن ينجح الشعب المصري حيث نجح الشعب التونسي فقط، ألا وهو التخلص من رأس النظام والإبقاء على النظام المرتبط عضوياً بتل أبيب وواشنطن. وكأنك يا أبا زيد ما غزيت.
هل يعقل أن يستبدل الشعب المصري حسني مبارك بعمر سليمان أو حتى رئيس الأركان سامي عنان الذي كان قبل اندلاع الثورة بأيام يتلقى "تدريباً خاصاً" في "البنتاغون"، ثم عاد على عجل بأمر من الأميركيين أنفسهم كي يساهم في تسلم زمام الأمور مع عمر سليمان وغيره في حال رحيل مبارك؟ تصوروا أيضاً أن الكونغرس الأميركي تقدم بمشروع قانون ينظم نقل السلطة في مصر ضارباً عرض الحائط بالثورة المصرية الشعبية التاريخية وطموحاتها.
وحتى محمد البرادعي يجب أن يستبعده الشعب المصري تماماً، خاصة أنه ظهر في خضم الثورة على تلفزيون أميركي ليطمئن الأميركيين بأن مصر لن تخرج من تحت عباءتهم.
باختصار، فإن الثورات العربية في مصر وتونس والقادم منها لن تكون ثورات حقيقة إلا إذا أيقن ثوراها بأنهم اجتثوا الوكيل والكفيل معاً، ولم يستبدلوا شهاب الدين بأخيه.
