الإثنين 02 فبراير 2026 الساعة 06:10 م

مقالات وآراء

حين تتبخر ملايين الأحزاب الحاكمة!

حجم الخط

تَابَعنا مسيرات الغضب التي اندلعت في سيدي بوزيد، وامتدت بعدها نحو سائر المدن التونسيَّة قبل أن تطيح بالنظام، ولو كان للنظام أدنى درجة من المصداقيَّة لرأينا أعضاء الحزب الدستوري الحاكم ينزلون إلى الشوارع هاتفين بحياة الرئيس، ومنددين بأي تشكيك بإنجازات حزبهم الذي حكم البلاد لعقود، لكننا لم نسمعْ لهم صوتًا، بل إننا لا نستبعد انضمام بعضهم لمسيرات الغضب.

 

حدث ذلك رغم أننا لا نتحدث عن بضعة آلاف يتوزعون على سائر المدن التونسيَّة، وإنما عن مئات الآلاف من الأعضاء، كما أننا نتحدث عن حزب تزعم قيادته أنه يستحوذ على ثقة الجماهير في الانتخابات بنسبة تقترب من مائة في المائة، أي أننا إزاء حزب أعضاؤه بمئات الآلاف ومناصروه بالملايين، فأين اختفى هؤلاء، ولماذا لم نسمع لهم صوتًا قبل أن يهرب رأس النظام وتتوجه المسيرات نحو الحزب الحاكم نفسه؟!

 

النظام هو نظام الحزب الدستوري، والحكومة هي حكومته، والبلديات هو الذي يهيمن عليها، والبرلمان هو من يملك كامل مقاعده، ومع ذلك لم يتحركْ أنصاره وأعضاؤه في الشارع للدفاع عن منجزاتهم العظيمة التي منحتهم ثقة الناس على ذلك النحو الأسطوري.

 

في مصر، تابعنا نفس المشهد، فأعضاء الحزب الحاكم بالملايين، وأنصاره أكثر من ذلك كما يزعم النظام، ألا يفوزون بكامل مقاعد مجلس الشعب والشورى والبلديات؟! ولكن لماذا لم يخرجْ كل هؤلاء للدفاع عن مكتسبات حزبهم "العظيمة" التي ينكرها أولئك المتظاهرون في سائر المدن، اللهم سوى بضع مئات مارسوا البلطجة لتشويه الثورة الشعبيَّة، وهي بلطجة اعتادوا عليها، أو تلقَّوْا أوامرها من نظام لم يسقطْ بعد، وهي بالنسبة إليهم وسيلة للارتزاق أكثر.

 

ألا يشكّل ذلك دليلا صارخًا على أن تلك الأحزاب الحاكمة هي كذبة كبرى في معظم الدول العربيَّة، سواء تبنّت أيديولوجية معينة، أم كانت بلا أيديولوجيَّة؛ ففي الأولى يختفي معظم الأعضاء ما إن يخرج الحزب من الحكم، أما في الثانية فيحدث ما هو أسوأ، إذ تختفي الأكثرية، بينما ينضمُّ بعض الأعضاء لاحتجاجات الجماهير، مما يؤكِّد أننا إزاء تجمع من المصالح لا صلة له بالأحزاب بمفهومها التقليدي في الدول الديمقراطيَّة.

 

هنا ثمة أعضاء يدخلون الحزب من أجل أن تكون فرصهم في تحصيل المكاسب أفضل، أي أننا إزاء تجمعات انتهازية تحركها المصلحة ليس إلا، وما إن يعجز الحزب عن تحقيق المصلحة حتى يتركوه غير آسفين عليه، ويبقى أن الكتلة الأهم التي يمكن وضعها ضمن أُطُر الأحزاب الحاكمة حتى لو لم تكن منتسبةً إليه هي مؤسسة الأمن التي تم تسمينها طوال عقود كي تشكل سياج الحراسة للحكام، لكن أعضاء هذه المؤسَّسة هم أبناء الوطن أيضًا، بل إن أكثرهم ينتمون إلى القطاع المطحون بالفقر من الناس، باستثناء قادتهم الذين تورَّط كثير منهم في مستنقع الفساد والإفساد أيضًا، واشتريت ذممهم بالطرق المعروفة.

 

لقد افتضح الأمر أمام من كانوا يجهلون الحقيقة، وإذا استثنينا بعض الأحزاب التي تستند إلى عصبيَّة القبيلة، كما في الحالة اليمنيَّة، فإن ما تبقى من الأحزاب الحاكمة هي كذبة كبرى لا بد أن تطيح بها الجماهير من أجل التغيير، من دون أن تستثنى الحالة اليمنية، لا سيَّما أن القبيلة التي ينتمي إليها الرئيس فيها معارضة أيضًا.

 

من العبث بالطبع أن تستمرَّ أحزاب أفقرت البلاد وأذلَّت العباد ورهنت القرار السياسي للخارج في الحكم كل هذه العقود، والأسوأ أن تفعل ذلك وسط هياكل ديمقراطيَّة ليس فيها من الديمقراطيَّة سوى الشعارات.

 

لا يكفي أن تطيح الجماهير بتلك الأحزاب، بل لا بد من محاكمة قادتها على عقود من القمع والفساد، ولا بد أن يجري اعتقال كل الذين أثروا بسببها، وفي مصر يتوفر بضع مئات من الأشخاص يدورون في فلك الحزب الحاكم يملكون ثلث الثروات في مصر، وهؤلاء لم يحصلوا عليها بالحلال، بل هي مال الشعب المسروق، والذي ينبغي أن يعود إلى أصحابه.

 

لقد اكتشفت جماهير الأمَّة ذاتها، وأدركت أسرار قوتها وستكرّ مسبحة الظالمين واحدًا إثر الآخر، وكل هذا التضامن فيما بينهم لن يحول بينهم وبين السقوط، فمن بعد تونس جاءت مصر العظيمة وشعبها البطل الذي أخذ يستعيد زمام القيادة، حيث يعمل على الإطاحة بنظام تافه ضيّع حقوق مصر وشعبها وأمنها القومي، تمامًا كما وضع الأمَّة بأسرها تحت رحمة أمريكا والكيان الصهيوني.

 

جماهير الأمَّة تعيش لحظة نشوة عارمة لم تشعرْ بها منذ زمن، وهي تحسّ كما لو أن فجرها على وشك البزوغ، وهو سيبزع بإذن الله، شاء الظالمون أم أَبَوا.