الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:38 م

مقالات وآراء

أميركا رمادية

حجم الخط

الثورة الشعبية السلمية في مصر تحتكر الشاشة الإعلامية في الوسائل الإعلامية الإقليمية والدولية . جل الوسائل الإعلامية الكبرى تبث مشاهدة الثورة الشعبية مباشرة من ميدان التحرير ومن الإسكندرية . ملايين المشاهدين في العالم تَمَسمروا أمام الشاشات التلفزيونية. المداخلات والحوارات تناقش ما يجرى في مصر . لا أحد من المشاهدين أو المداخلين يستطيع أن يجزم ويقطع بخطوة الغد . ولكنهم جميعاً يجمعون أن مصر الغد لن تكون مصر الأمس.

 

تاريخ 25/1/2011 هو تاريخ فارق بين مرحلتين . وهو الأمر الذي أقرّ به الرئيس حسني مبارك ونائبه ورئيس الوزراء الجديد أحمد شفيق . الإعلام يزدحم بالتصريحات الداخلية والإقليمية والدولية التي تتناول الحالة المصرية, ولكن المراقبين يهتمون بشكل خاص بالتصريحات الأميركية. التصريحات الأميركية تناضل لتبقى في (المنطقة الرمادية) المنطقة الرمادية تعني (اللاقرار), وإنما تعني المراقبة والمقاربة الحذرة . ما يحرك الموقف الأميركي هو مصالحها الاستراتيجية.

 

السياسة الأميركية لا تتعامل مع الأشخاص وإنما تتعامل مع أنظمة تحفظ مصالحها . ربما أميركا تدرك أن القرار الشعبي يتجه إلى رحيل الرئيس مبارك . وربما هي لا تعارض ذلك, ولكنها تهتم بالنظام وتعبّر عن هذا الموقف بعبارة دبلوماسية حذرة تقول (بانتقال سلمي وسلس للسلطة). وفي الوقت نفسه تتحدث أميركا عن أن القرار هو لمصر ولشعبها وليس لواشنطن. لا أحد يمكنه أن يقفز عن قرار الساحة الداخلية في مصر, ولا أحد ينكر أن القرار الداخلي هو القرار الحاسم, غير أن القرار الداخلي يتأثر بالقرار الأميركي لا على مستوى الحركة الشعبية ولكن على مستوى النظام والدولة.

 

فالقرار الأميركي له وزن واعتبار عند المؤسسات الرسمية . ولأن أميركا تدرك ذلك, ولأن مصر ليست (جورجيا أو أكرانيا) فإن الموقف الأميركي متمسك بالمنطقة الرمادية ويراقب التطورات ساعة بساعة . يبدو أن واحداً من مخرجات المرحلة سيكون باتجاه مراجعة الأنظمة العربية موقفها وعلاقاتها بالإدارة الأميركية . الشعوب العربية غاضبة من السياسة الأميركية ويتهمونها بمساندة الحكام المستبدين . والحكام في النظام العربي أيضاً غاضبون من السياسة الأميركية لأنها سياسة لا تقوم على الأخلاق ولا على المبادئ, وأنها انتهازية, ولا تقدر قيمة الخدمات التي يقدمها القادة لها على حساب شعوبهم أحياناً.

 

الحالة التونسية, والحالة المصرية, تستدعي النظام العربي إلى إعادة النظر في العلاقة التي تربطهم بواشنطن . دعوات المراجعة هي مطالب لجميع أقطاب العمل السياسي والشعبي والمدني في البلاد العربية, واعتقد أن الأنظمة مضطرة إلى هذه المراجعة, والاقتراب بشكل أكبر من نبض الشارع وتلبية رغباته في المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والوطنية, والإدارة الأميركية مضطرة أيضاً لإعادة النظر في سياساتها واحترام التوجهات الوطنية للشعوب وللأنظمة على السواء, وينبغي ألا تبقى (إسرائيل) وحدها بوصلة السياسة الأميركية في المنطقة.