1- أم الثورات وأهم الثورات:
لسنا نبالغ إذا قلنا إن ثورة شعب مصر هي أم الثورات وأهم الثورات وأعظم وأضخم الثورات. والثورة الفرنسية إلى جانبها لا شيء. ذلك أننا نتكلم عن معايير استراتيجية وشؤون مستقبلية.. فتلك الثورة أزاحت باطلاً وأحلت محله باطلاً.. فما ثم فرق من هذه الناحية. وفرنسا كانت قوية قبل الثورة وظلت قوية بعدها.
لكن ما يجري في مصر مختلف جداً. فأولاً ما في مصر من وضع قائم هو أبطل الباطل.. وأخطر الباطل. واتفاقيات سرية حجمت بلداً عظيماً وقمعت شعباً عظيماً. وحتى يسري الظلم بلا عوائق كان يجري أعنف التعذيب والبطش والترهيب.. كل ذلك لتسود إسرائيل المنطقة. فتحصر غزة حتى الموت، ويمنع عنها لا السلاح فحسب، وإنما الضروريات من الغذاء والدواء.. كل ذلك لعيون إسرائيل. وكان يجري للشعب المصري الصبور الطيب أكبر عملية تضليل إعلامي في التاريخ.. لعيون إسرائيل.
كانت تطلق يد دولة البغي تعيث في مصر فساداً وتجنيداً، فإذا ضبط أحد سرعان ما يخرج، وما عزام عزام، وتشارلز، وعائلة مصراتي، ويوسف طحان وغيرهم كثير.
كل هذا التنسيق الأمني ومحاربة الإسلام وخطر الجماعات الدينية، كل ذلك لعيون إسرائيل. وكل هذا سينتهي الآن، إن شاء الله. فهو تحول من باطل أو أبطل الباطل إلى الحق المحض..
فهل ترى قولنا مبالغة إذا قلنا لك إن ثورة الشعب المصري أعظم ثورات قرن بكامله، إن لم تكن من أعظم ثورات التاريخ.
إن ثورة يوليو أمام هذه الثورة لا تكاد تَبين ولا تُبين! إن إسرائيل قبل هذه الثورة المباركة هي غيرها بعد الثورة المباركة. لقد جرى إضعاف أمة عديدها أربعمئة مليون من أجل عيون إسرائيل، وكل ذلك على يد مبارك.
إن أعتى قوة في العالم اليوم هي قوة إسرائيل، وقوتها من تسخير قوى كثيرة في خدمتها، وقد كانت كل أجهزة الدولة في مصر مسخرة لهذا الغرض.. من أجل كل هذا كانت ثورة شعب مصر أعظم الثورات وأهم الثورات بل هي أم الثورات.
بوركت ثورة مباركة ضد مبارك الذي نزع بركة بلد بأكمله بل أمة بأكملها.. والثورة المباركة ستعيد البركة وتطرد مبارك.. الذي ظل باركاً على قلب الشعب ثلث قرن.
أكتب هذه الكلمات وربما حسم أمره قبل أن أنتهي من كتابة هذه الكلمة.. (عصلج بعد كده وممشيش! بس هيمشي والشعب مش حيمشي!)
لقد عزل هذا الطاغية مصر عن أمتها، وعن عمقها العربي والإسلامي، فأضعفها وأضعف الأمة.
والآن ينتهي كل شيء.. وينهدم بيت الظلم بيت العنكبوت.. الذي حاول بشكل مستميت أن يميت أمة لا تموت!
2- "أمهلهم رويداً":
إن ما يجري آيات تثبّت يقين المؤمنين، وتريهم رأي العين قدرة الله، وسننه الفاعلة في كونه، وأخذه للجبارين والظالمين.. وآلاءه ونعمه على عباده، ومنّه على المتمسكين بحقهم الثابتين عليه: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون"، ووالله لكأن الآية ما نزلت إلا الآن، لتصور الواقع، مع أنها نزلت منذ ألف وأربعمئة وأربعين سنة، لتصور واقعاً كان ربما قبل ستة آلاف سنة، ولكن آيات الله كأنها تصور الواقع القائم بمقدار ما تصور التاريخ الغابر. فما أعظم القرآن، واليقين بآياته، وسننه وقوانينه!
ولقد ثبت أن الفرج أقرب بكثير جداً مما نتوهم أو نتصور. وأن التغيير يسير جد يسير، وإن توهمه الناس عسيراً أقصى درجات التعسير، وليس كذلك، كما ثبت في الواقع.
من كان يظن أن مجرد مئة شهيد تغير طاغية عاتياً قد قتل أمثالهم تحت التعذيب، ربما في كل سنة، وشرّد مئات أضعافهم، وسجن كذلك.
ما أجمع وأروع هذا الناموس المتضمن في الآية: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم." وأخطر ما غيره الشباب مما بأنفسهم كسر حاجز الخوف.. الذي كان يشل الشعب عن الحراك. وإذا قرأت قصة موسى رأيت كم يتردد في القصة لفظ الخوف، وأحياناً بمعناه من الرهبة وغيرها. ولذلك كثر في قصة موسى أيضاً النهي عن الخوف، فقد قيل لأمه: "ولا تخافي" وقيل له ولأخيه: "لا تخافا"، وقيل له هو: "لا تخف" هل كان يخطر ببال المتألهين المتفرعنين إنْ في تونس وإن في مصر أن تدور عليهم الدوائر بهذا الشكل العاصف وبهذه السرعة؟ ويصبحوا مطالبين للمقاضاة والمحاكمة بعد أن كانوا هم الذين يحاكمون الناس؟
ألا ما أروع هذا القرآن بما قص من قصص وبين من سنن، ومن ضمنها قوله تعالى: "فمهل الكافرين أمهلهم رويداً".
وقصت علينا أكثر من سورة كيف أن فرعون تسبب في أن تصب النقم على هذا الشعب.. ليعتبروا.. فكانت النتيجة أن عناد فرعون أغرق البلد في الأزمات، والشعب في موج البحر.
تتجدد معاني القرآن بالربط بالواقع. وتفهم الواقع بالربط بقصص القرآن!
3- سيل الجماهير الهادر:
كم شبهنا الجماهير بالبركان الثائر والسيل الهادر، وكم حذرنا من غضبتها، وكم كررنا أن الجماهير تكتسح كالطوفان. وقلت مرات: الويل لمن ينام في مجرى السيل. وها إن سيل الجماهير "سيل العرم" قد هدر وزمجر وانحدر يجرف في وجهه كل شيء لا يبقي ولا يذر من الباطل وجنده.
من كان يظن أن الجماهير ماتت ففكره ميت مجدب. ها هي تثبت أنها ليست حية فحسب وإنما فعالة مؤثرة قوية هادرة قادرة على التغيير أمام قوة محلية تدعمها أعتى القوى العالمية.. ومع هذا ستغير كل ذلك قوة الجماهير.. بإذن الله.
إن الذين احتقروا شعوبهم واستصغروا شأنها وعظموا الأجنبي وبالغوا في تقدير قوته والاعتماد عليه، يدفعون الآن ثمناً غالياً.
إن آلهتكم التي تدعون من دون الله خذلتكم وتخلت عنكم، ولو كنتم على أدنى صلة بالقرآن لأدركتم هذا منذ زمان، لكن سول لكم الشيطان، وزين لكم ما تبدو عليه هذه القوى من قوة أن تنحازوا إليها ضد أمتكم، فذوقوا ثمرة خياركم الفاسد السيء، وذوقوا مس الذل بعد الكبر والعمى والغرور.
إن الجماهير إذا حددت هدفاً واتحدت بعد أن حددت، اتحدت في إنجاز هذا الهدف، أتت بما يشبه المعجزات. من كان يظن أن ينزل إلى الشوارع قرابة عشرة ملايين من المتظاهرين في جو بارد شات، ويبيتوا ليلهم في العراء في الساحات، بلا مرافق ولا طعام..؟ والعجيب أنه مرّ تجمهرهم بلا أدنى حادثة. والنظام بالأزلام لا يستطيع أن يحشد عشرات ليرينا أين التسعينات في المئة التي كان يحصدها في الانتخابات؟! لم لم تنزل جماهير النظام إن كان له ثم جماهير، لم لم تنزل إلى الشوارع لترينا القناعة والمحبة والاتباع؟
ولأنها ثورة جماهير، وثورة شعب، ولأنها بعثت الحياة في جسم أمة العرب وأمة الإسلام، فإن الغرب كله والعرب التابعين للغرب يقفون وقفة رجل واحد ألا تحقق هذه الثورة هدفها ولا تبلغ وجهتها وغايتها..
ولذا ينبغي أن تكون وقفتنا في وضوح وقفتهم وفي شدة وقفتهم. إنهم يستميتون ألا تنتصر، ونحن ينبغي أن نستميت أن تنتصر.
لا يجوز أن نحيد عن الهدف أو ننحرف أو ننصرف عنه. يجب أن يتغير نظام باع مصر. يجب أن يرحل نظام حاصر غزة وناصر إسرائيل. إن ما يجري انتصار الله لجند الله.
إن هذه الثورة إذا أنجزت أهدافها ورحلت هذه الطغمة الفاسدة ليكونن للعالم العربي وزن جديد ووضع جديد وليفتحن أمامه أفق جديد.. ولتكونن دولة البغي في حرج ووهن وضعف شديد.
هل تعيد توزيع قواتها على حدود سيناء، بينما في العهد المباركي تتولى قوات الجيش حماية إسرائيل بغير حساب.
أرأيت لو تساهل الجيش في الرقابة على الأنفاق ووصلت أسلحة مضادة للطائرات ماذا يحدث لإسرائيل.
لكل ذلك يجب أن تنتصر هذه الثورة!
4- الأمن والفوضى:
لا شك أن الأمن من أعظم المنن، ولذا امتن الله على العرب بأنه "أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف" ففي الإطعام من جوع بقاء الأنفس، وفي الأمن من خوف بقاء المجتمعات. وقد نزل المتظاهرون إلى الشوارع ليحققوا لأمتهم ولأنفسهم المطلبين لا لينقضوهما. ولكن عز على النظام أن تنزل هذه الملايين إلى الشوارع مع الانضباط، وهو الذي طالما هدد: أنه إما بقاء النظام وإما الفوضى العارمة. فها قد اجتمع في ميدان التحرير ما يساوي كل دول الخليج العربي –مع الاحترام- ومع هذا لم يسجل حادث واحد.. فقام النظام يرسل الزبانية من أجل أن تروع الأمن وتحقق نظريته: إما مبارك وإما الخراب. فثبت أن الخراب قرين النظام وليس العكس.
إن النظام يعيد إنتاج النظرية التي ذكرتها في مقالات سابقة مرات: إما أن ندير البلد أو أن ندمره: If we don’t nun it, we will burn in
وختاماً. أسأل الله أن ينصر هذه الثورة المباركة على نظام "مو مبارك".
