دار نقاش حادّ في برنامج "بلا حدود"، بتاريخ 26 /1 /2011، غضب فيه كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات من اتهام الوثائق بأن الرئيس محمود عباس أُبلِغ من جانب العدّو الصهيوني بنيّة شنّ الحرب على قطاع غزة. وأخذَ الموقف الغاضب نفسه نمر حمّاد كبير المستشارين للرئيس محمود عباس.
ارتكز الغضب على الحجّة القائلة أن شنّ هجوم على قطاع غزة كان معروفاً للقاصي والداني فمعرفة الرئيس بالهجوم لا يشكل اتهاماً له.
صحيح أن ما أوردته الوثائق يثير الغضب لأنها تتضمن تبليغاً رسمياً مما يتعدّى المعرفة أو التوقع أو قراءة المؤشرات. ولكن مع ذلك لنضع ما جاء في الوثائق جانباً لأنها أثارت غضباً جعل الوجوه تحمرّ والريق يجف وأطراف شفاهٍ تُزْبِد لهول هذا الاتهام في حين لم يحدث مثل هذا على شاشات الأقنية الفضائية ومن قِبَل المعنيين أنفسهم وهم يعلّقون على "الحرب ضدّ غزة"، لا سيما، في أسبوعها الأول.
طبعاً هنالك أبطال مثل سيف الدولة كما يصفه المتنبي لا يبدو عليه الغضب في المعارك: بل "ووجهك وضاحٌ وثغرك باسم". ولكن في السلم والمجالس إذا سمع كلمة لا تعجبه يغضب فيمتقع وجهه ويجفّ ريقه وتزبد شفتاه.
من هنا يتوجّب تفهّم غضبهم وهم يواجهون الوثائق، كما يتوجّب فهم حالهم في المعارك "ووجهك وضاحٌ وثغرك باسم"، في مرحلة العدوان على قطاع غزة.
ولكن ثمة ثلاثة أسئلة خارج موضوع المعرفة بوقوع العدوان باعتبار أن ذلك كان معروفاً للقاصي والداني.
السؤال الأول: جواب محمود عباس في سردية الوثيقة التي بُلّغ فيها بموضوع العدوان وهو يردّ "أنا لا أقبل أن أدخل غزة على ظهر دبابة إسرائيلية"؟ فهذا الردّ لا مكان له إلاّ إذا جاء ردّاً على طلب مساعدته مباشرة وميدانياً في عملية اقتحام قطاع غزة. فالاعتراض هنا يكون رفضاً للمشاركة في الحرب، كما فعلت بعض المعارضة العراقية حين عادت على ظهر دبابات الاحتلال الأميركية. إنه موقف ضدّ المشاركة المباشرة وليس ضدّ شنّ العدوان.
ومن ثم لا معنى له في غير رفض التعاون المباشر والمشاركة.
السؤال الثاني: لنضع ما جاء في وثيقة التبليغ جانباً. ولكن هل يمكن إنكار ردّ الفعل الرسمي من جانب محمود عباس وكبير المفاوضين وكبير المستشارين، مع اندلاع العدوان، ومنذ لحظاته الأولى، بتحميل حماس المسؤولية كاملة في اندلاع الحرب بسبب عدم التزامها بالهدنة وإطلاقها الصواريخ.
الأمر الذي يعني التأكيد على الذريعة التي استخدمها العدو الصهيوني في شنّ عدوانه. فالمشكلة تتجاوز مشكلة التبليغ لتدخل في نطاق أشدّ خطورة، إذ كيف يمكن تفسير هذا الموقف المعلن، والمكرّر من أكثر من لسان في سلطة رام الله؟ أفلا يُفهم منه تسويغاً للعدوان باعتبار أن معه الحق في الردّ على عدم التقيّد بالهدنة وإطلاق الصواريخ.
وبالمناسبة كانت حركة فتح قد فاخرت في قطاع غزة بأنها أطلقت الصواريخ قبل العدوان. بل أن الموقف الرسمي لسلطة رام الله طالما عيّر حماس بأنها قبِلت بهدنة ولا تطلق الصواريخ من قطاع غزة. ومن ثم كيف تُحمّل حماس مسؤولية إعطاء الذريعة لشنّ الحرب من جانب العدو الصهيوني.
أما السؤال الثالث الأشدّ خطورة مما ورد في الوثائق أو مما جاء في التصريحات التي حمّلت حماس المسؤولية عن انطلاق العدوان على قطاع غزة فيتمثل في موقف سلطة عباس-فياض طوال ثلاثة وعشرين يوماً في عدم الدعوة إلى عقد قمة عربية طارئة أو تأييد عقدها أو المشاركة فيها. وكان هدف القمة تأمين حشد عربي رسمي ضدّ العدوان، ولدعم صمود الشعب والمقاومة في قطاع غزة. وكان ذلك سيجرّ دولاً كثيرة للوقوف ضدّ هذا العدوان.
هذا الموقف في عدم الدعوة إلى قمة عربية طارئة امتدّ لرفض عقد مثل هذه القمة في أثناء التداول ما بين الرؤساء والملوك والأمراء. بل ذهب إلى حدّ مقاطعة القمة العربية الطارئة التي دعا إليها الشيخ حمد بن خليفة أمير قطر في الدوحة. وذلك لحرمانها من تحقيق النصاب.
يمكن القول قطعاً أن عدم عقد قمة عربية طارئة أطال أمد الحرب. لأن عدم عقدها منذ الأسبوع الأول أوحى بالسكوت الضمني على العدوان أو فُهِم منه أن ثمة تواطؤاً معه، ولو بصورة غير مباشرة. مما شجعه على المضيّ به إلى أن وجد نفسه مضطراً على التوقف بعد ثلاثة وعشرين يوماً، وبلا قيد أو شرط، ومن جانب المعتدي وحده. مما شكل هزيمة مدويّة للكيان الصهيوني.
ولكن يجب أن يُذكر هنا أن التحرّكات الشعبية الواسعة العربية والإسلامية والعالمية أنقذ الموقف إذ أَسهمَ، بفضل صمود المقاومة والشعب في عزلة العدوان وكسر شوكته.
إذا كانت هذه هي النتيجة من دون قمة عربية طارئة فكيف لو عقدت القمة في الأسبوع الأول وانضمّ الموقف العربي الرسمي إلى جانب صمود المقاومة والشعب وما انفجر من نصرة شعبية عربية وإسلامية وعالمية كما إلى جانب الدول العربية التي شاركت في لقاء قمة قطر.
فبدلاً من أن يُبادر محمود عباس بالدعوة إلى عقد قمة عربية طارئة كما كان يفعل ياسر عرفات في كل مرّة تعرّضت فيها الثورة إلى عدوان أو محاصرة. فبماذا يفسّر هذا؟ وكيف يفسّر؟ وأين موقفه وما جاء في الوثائق.
وبكلمة، الموقفان المعلنان من قِبَل قيادة سلطة رام الله بإلقاء مسؤولية الحرب التي شنّها العدو على عاتق حماس وإطلاق الصواريخ من جهة ورفض عقد قمة عربية طارئة ومقاطعة قمة الدوحة من جهة ثانية لا يتركان عذراً لمعتذر في المعاندة مع ما جاء في تلك الوثائق-الفضيحة.


