يجمع الساسة الإسرائيليون بأن حكومة نتنياهو تعيش عزلة سياسية بسبب تعنتها في قضية الاستيطان وعدم مرونتها في العملية السياسية، وأن المجتمع الدولي مستاء من هذه المواقف الضاربة بعرض الحائط كل مبادراته ووساطته الرامية لتحريك هذا الجمود السياسي.
لكني أرى أن الحكومة الإسرائيلية استطاعت أن توظف هذه العزلة لصالح بقائها والمحافظة على تماسكها وما جرى في تفسيخ وتفتيت حزب العمل لخير شاهد على ذلك من جانب.
ومن جانب آخر توظفها لصالح مشروعها التوراتي في الإسراع في تغيير معالم مدينة القدس من الإسلامية والمسيحية إلى اليهودية التوراتية، ومن أجل تحقيق ذلك صادق الكنيست الإسرائيلي وبأغلبية ساحقة 39 صوتا مقابل 7 أصوات لصالح مشروع قانون لإعلان القدس مدينة ذات أولوية وطنية من الدرجة الأولى للإسرائيليين، وتخصيص ميزانيات لتطويرها وامتيازات خاصة من الحكومة.
فلقد كتب الكثيرون عن العزلة الشعورية التي قد يعيشها الفرد أو الجماعة أو الدولة أو الأمة إما إيجاباً أو سلباً، بحيث يكون بعيدا كل البعد عن المحيط الذي يعيش فيه رغم أنه يتعامل معه ويتفاعل مع كل مكوناته .
فلقد تحدث سيد قطب عن العزلة الشعورية التي يعيشها المسلم في وسط مجتمع سيء جاهل سيئ الأخلاق، ومفروض عليه أن يعيش ويساعد هذا المجتمع، فكانت إرشادات قطب أن عليه أن يسايرهم ويعيش معهم جسداً لا روحاً أي يفارقهم شعورياً ونفسياً أي لابد أن يكون مع خالقه رغم أن جسده وباقي حواسه تعيش مع هذا المجتمع بكل مكوناته، ومع ذلك فلا تتأثر به بل يجتهد المسلم أن يؤثر ولو تأثيراً محدداً بالمحيط الذي يحتك به احتكاكاً مباشراً.
وتحدثت كتب علم النفس والاختصاصيون النفسيون عن هذه العزلة التي يعيشها الأشخاص وخاصة مع الإنترنت التي قد تصل إلى حالة الإدمان كونهم يقضون ساعات طويلة فينعزلون عن محيطهم شعورياً ووجدانياً رغم أنهم قد يتفاعلون مع الوسط المحيط أو يتناولون الأطعمة والأشربة.
وقد تسبب هذه العزلة المتاعب وتجلب لهم المشاكل ومع ذلك يستمرون بها ولا يلتفتون للأصوات التي تناديهم بالعودة، وهذا ما تقوم به (إسرائيل) اليوم التي تعيش نكسة ونكبة وعزلة سياسية أثرت عليها اقتصادياً واجتماعياً وأكاديمياً وسياسياً، ووجدنا هذا واضحاً في الضغوطات التي تتعرض لها (إسرائيل) لتغيير مواقفها تجاه العملية السلمية من قبل القيادات الغربية والأمريكية وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي أوباما.
ولكنها تضرب بعرض الحائط كل هذه الضغوطات ولا تلتفت إليها بل تعمل على مقارعتها ومناغمتها، ومحاولة التكيف مع هذه البيئة النكدة التي فرضت التعامل معها وتحاول اختراق حاجزها الناري عبر بعض الدول العربية التي رحبت بها واستقبلتها في عاصمتها التاريخية، ومع ذلك لا تيأس في محاولة اختراق هذا الجمود السياسي والطوق الدبلوماسي الذي يضيَق الخناق عليها ؟؟
ولكن في المقابل تعيش عزلتها الشعورية وتفرغها في أعظم شيء عندها، بل تعتبر هذه الأوقات هي أفضل سنيّ عمرها كونها تختلي بنفسها مع مَنْ وجدت من أجله عاصمتها الدينية وهيكلها المزعوم التي بدأت تدرك أنها على قاب قوسين أو أدنى في تحقيق أهدافها، فسارعت في وتيرة الهدم والمصادرة والإبعاد والإزالة في هجمة لم تشهدها (إسرائيل) من قبل وكأنها تعطي مكافأة لمن يعزلها سياسياً بأننا اليوم أنجز ما لم تستطع إنجازه على مدار سنين ستة.
فالاستيطان والبناء في القدس والمستوطنات يسارع الزمن بل يسبقه والمناقصات أصبحت أكثر من عدد الشركات المحلية، فدخلت على الخط شركات أجنبية لتغطي عجز هذه الشركات وها هو موشيه يعالون نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي يخاطب المجتمع الدولي بكل ثقة وطمأنينة وتحدٍ لعزلته السياسية بعزلته الاستيطانية فيقول "الأيام المقبلة ستشهد حركة بناء استيطاني ضخمة في ثلاثة من أكبر المستوطنات في الضفة والقدس.
هكذا توظف (إسرائيل) عزلتها السياسية بتغول وشراهة بعزلة استيطانية فتنفرد بسكان القدس وضواحيها فتهدم وتعتقل وتبعد دون رقيب أو حسيب وغير ملتفتة لتلك الأبواق الناعقة بالتنديد والشجب والاستنكار بل العزلة الاستيطانية حركت الآخرين وأثرت بهم وجذبتهم نحوها من خلال تصريحات الاتحاد الأوروبي الذي يدرس انتداب مراقبين دوليين عنه لمتابعة الهدم بالقدس، والذي نقرأ فيه تشريعاً لهذا الهدم حيث سيدرس المراقبون مدى قانونية الهدم من عدمه.
هذا الأمر سيشرِّع عملية الهدم كون هؤلاء جاؤوا كمحامين ومراقبين وسيرفعوا دعاوي التي ستأخذ سنين للبت فيها فنكون عندها مدعوين لحفل افتتاح "أورشليم الكبرى " أو "أورشليم التوراتية" وحينها نحن سنقول "باي القدس باي"، فهل سنصحو من سباتنا وغفلتنا وانقسامنا لنبدد عزلتنا الفلسطينية، ونلتحم من جديد قبل أن نجد أنفسنا في كرفانات حديدية نتصارع على مفاتيحها ؟؟؟


