"ثورة الياسمين" أطلق على الهبة الجماهيرية السلمية الغاضبة التي انطلقت رافضة للظلم و للفساد المستشري في المجتمع التونسي، ولأول مرة في التاريخ العربي تتغلب ثورة الحناجر و الحجارة على رصاص البنادق والمدافع، لأول مرة تنجح الجماهير العربية العفوية بالقيام بانقلاب أبيض ضد حاكم مستبد فتخلعه عن كرسيه وحكمه، ولأول مرة في التاريخ العربي يحدث انقلاب أبيض ضد زعيم عربي دون أن يكون من ورائه طامع للسلطة و للكرسي، فالجماهير المكبوتة والمشحونة والمكلومة انفجرت بركانا وغضبا ضد مكمم الأفواه و حاجب الأنوار و مسمم الأجواء وحارب الناس في أرزاقهم ولقمة عيشهم و ضد ناشر الفساد والرذيلة ومخدر الشعب.
ضد من رفع حربته متحديا الله سبحانه و تعالى فأغلق المساجد و منع الحجاب و تعقب معفي اللحى، ضد من زرع في كل شارع في كل زقاق مخبر فلم ينجو دبلوماسي، مسئول، مدير، تاجر، ولا حتى بائع خضار إلا و حرص هذا النظام على ربطه، ضد قامع الحريات و جالد الأبرياء و منفي الأحرار، ضد السمسار الكبير الذي اعتبر الحكم فرصة للنهب والجشع والثراء الفاحش، فكانت ثورة الياسمين التي نجحت في تونس الخضراء لتهز عروش الأنظمة المستبدة التي تحكم بالحديد والنار.
ودوى صفير رياح الياسمين يزأر في المناطق العربية وينذر بعواقب وخيمة لما تحمله هذه الرياح معها من لقاحات شديدة التفاعل والتأثير بالشعوب العربية الخصبة فوجدنا الاستجابة الفورية في بعض الدول القريبة والبعيدة عنا بتكرار عملية بوعزيزي التونسي التي نهى عنها علماء الأمة.
ونقلت بعض المواقع المحلية عن نية فلسطيني في الضفة حرق نفسه أمام المقاطعة أو مجلس الوزراء برام الله احتجاجا على وضعه الصحي الذي يعاني منه منذ عام 2001 إلى وقتنا الحالي دون استجابات من الرئيس أو السيد فياض، فلقد تخبطت السلطة الفلسطينية في بداية أمرها حول موقفها الرسمي من أحداث تونس فأصدر أمين اللجنة التنفيذية ياسر عبد ربه بيانا ناريا جاء فيه " إن الانتفاضة العفوية للشعب التونسي ضد مظاهر الفساد و كبت الحريات و القمع تؤكد من جديد الطاقة الخلاقة للشعوب في تقرير مصيرها واختيار وجهتها الديمقراطية والتنموية"..
ولكن أحمد عبد الرحمن مستشار الرئيس عباس لشئون منظمة التحرير الفلسطينية سارع إلى نفي البيان بقوله " إنه لم يصدر أي بيان من اللجنة التنفيذية للمنظمة حول الوضع في تونس و إنه لم يعقد أي اجتماع أصلا للجنة التنفيذية بينما صرح مسئول في الرئاسة بأنه تم سحب بيان أمانة سر المنظمة من الإعلام الرسمي الفلسطيني و هو الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء الرسمية لأنه لا يمثل الموقف الرسمي لمنظمة التحرير والرئيس عباس".
فإنما يدل الإسراع في نفي البيان و نفي ما جاء به جملة و تفصيلا كونه يشرع للجماهير حق التظاهر و رفض الحكم الاستبدادي وحقها في تقرير مصيرها وفي التظاهر ضد الفساد و كبت الحريات و هذا يتنافى مع حقيقة الواقع الفلسطيني الذي قمع -كما فعل بن علي في تونس– المسيرات الداعمة لنصرة إخوانهم في غزة وقت العدوان والمحرقة الصهيونية الأمر الذي دفع السلطة إلى الإسراع في نفي البيان خوفا من استنساخ الأمر في الضفة الغربية...
فأطلقت السلطة سراح الداعية والمربية تمام أبو السعود في مسرحية للمحافظة على ماء الوجه والمكشوفة من قبل محكمتهم العليا التي برأتها وطالبت بالإفراج عنها فورا منذ مدة ولكنهم صموا آذانهم إلى أن جاء صفير الياسمين، وأسرعت مخابرات رام الله في الرجوع خطوة للوراء لتنفيس ملف المختطفين السياسيين بقرارها وقف عرض كافة المدنيين على القضاء العسكري وهذا ما أكده اللواء القاضي أحمد المبيض رئيس هيئة القضاء العسكري، رئيس المحكمة العسكرية العليا، الإثنين 17/1/2011، إنه لن يتم اعتقال أي مواطن إلا بمذكرة توقيف من النيابة العامة المدنية، وفقا لقانون الإجراءات الجزائية رقم 3 لسنة 2001، وهذا إقرار من مصدر قضائي رفيع المستوى بأن ما قامت وتقوم به السلطة من محاكمات وأحكام كلها غير قانونية وأن الذي يسود في الضفة هو حكم شريعة الغاب فرضت حكومة فياض بالقوة بقوانين غير الدستورية التي ينفيها الرئيس وفياض في جميع المحافل الرسمية وما جاءت هذه الخطوة إلا خوفا من عاصفة الياسمين الفلسطينية.
و من جانب آخر فإن ثورة الياسمين هزت عرش (إسرائيل) لإسقاطها أحد أذرعتها الضاربة في العمق العربي الذي كان يقيم علاقات سرية معها منذ سنين والتي كانت تونس حتى قبل14/1 المنتجع المفضل للإسرائيليين وخاصة الموساد الذي يمارس بكل حرية العمالة والرذيلة والإسقاط حيث كان يدخل تونس أكثر من 8000 إسرائيلي سنويا تحت مظلة السياحة و حجاج كنيس الغربية في جزيرة جربة التونسية و هذا ما عبر عنه سيلفان شالوم نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي التنوسي المولد بقوله" تونس دولة معتدلة و كانت مرتبطة طوال السنين الماضية بالغرب الذي غض الطرف عن فساد النظام التونسي السابق من أجل بقائه قريبا منه، ونحن نتابع التطورات من أجل الحفاظ على علاقتنا الثنائية الحميمة مع تونس و نأمل أن يمنع المجتمع الدولي جهات إسلامية من السيطرة عليها".
وكانت إذاعة الجيش الإسرائيلي قد ذكرت أن المستوى السياسي الإسرائيلي يتابع بخوف ما يجرى بتونس و ذلك في إطار تخوفه من انتقال السلطة إلي الإسلاميين المتشددين حسب زعمها.
ولم تكن تصريحات السيد إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني بأن السيد عمر سليمان مدير المخابرات المصرية أبلغه برغبة مصر بدعوة الفصائل للقاهرة لبحث المصالحة، كونها تأتي في نفس السياق الذي ذهبنا به في استنتاجاتنا هذه، كون القضية الفلسطينية محط اهتمام وأنظار معظم الجماهير العربية وأي تقدم فيها وخاصة في المصالحة الفلسطينية تسجل لصاحبها ولدولته ولشعبه.
الأحداث في منطقتنا تسير بسرعة رياح الياسمين التونسية و ترتفع درجة حرارتها بسخونة الأوضاع التونسية، فتونس كشفت الغطاء عن أعين ساسة المنطقة المتنفذين ورأوا ما لم يريدوا أن يروه منذ سنين فسارعوا بلملمة أوراقهم و تحسس كراسيهم و قراءة مستقبلهم ، فما وجدوا إلا التنفيس عن شعوبهم بقرارات وأفعال وإن كانت ممجوجة ومعروفة ومقروءة من شعوبهم إلا أنها من وجهة نظرهم لابد منها حتى يطول العمر ولو كما كان يتمنى زين العابدين حتى 2014؟
