الثلاثاء 03 فبراير 2026 الساعة 07:36 ص

مقالات وآراء

شارون المسبوت!

حجم الخط

في الأساطير الفرعونية شارون هو قائد أرواح الموتى في زورق في عالم أنوبيس السفلي الكئيب، والصهيوني شارون مازال في عالم العناية المشددة لا حيا فيرجى ولا ميتا فينعى..

وفي مجلة دير شبيجل الألمانية أتوا بشهادات لأربعة ممن عاصروه سكرتيرة العمل والطبيب ورفاق السلاح فأفادوا عن الرجل بما لا يشفع له كثيرا، ولكنه عند بني صهيون بطل قومي. فهو من اجتاح لبنان ودمر قواعد الفلسطينين، وذبح في مخيم صبرا وشاتيلا بيد غيره؛ فكان هو الشرير الذي سمح بدخول الأفعى إلى بيت الأطفال والعزل من الشيوخ والنساء المسالمين فأوجعوهم بالسموم والعضاض والموت الزؤام؛ فرأينا من صور الموتى ما يجعل الإنسان يسأل كما سألت الملائكة يوما أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء.

كما أنه من عبر القناة في الاتجاه المضاد بعد انهيار جدار بارليف في حرب 73 وعند الكيلو 101 جرت مفاوضات الانسحاب من الطرفين، ليعقبها بعد ذلك خروج مصر من لعبة الصراع مع بني صهيون إلى أجل مسمى، وزيارة السادات منصة بني صهيون يتكلم فيها عن صلح لن يحدث أبد الدهر…

 

شارون قبيح الذكر ما زال يقلب كالطفل، ويقول طبيبه إنه يرف بعينيه إذا دخل عليه من يسلم عليه، وبقاؤه على قيد الحياة بعد مرور سنوات من الغيبوبة هو بفضل العناية الطبية التي لن تخرجه من السبات العميق والشخير الغميق.

 

كنت أنا شخصيا أتوقع أن يكون قد مات بعد أن انضربت عنده شرايين الدماغ من البدانة المفرطة وشره الطعام وارتفاع كولسترول الدم وتوتر العمل السياسي والحزبي، ولكن كالعادة أطلعتني المجلة على تفاصيل أيامه الأخيرة التي ليست بخيرة قبل أن يغادر عالم الحرب والضرب والقتال الذي لا يعرف الراحة مع كل من حوله.

 

في مذكرات قرأتها عنه نشأت أمه في روسيا وكانت عدوانية شرسة مثل قطة برية وورث عنها هو هذه الخصال غير الحميدة فكان عدوانيا جريئا وقحا يتخذ القرارات من نفسه، ولكن جنوده أحبوه أكثر من أقرانه من الضباط واعتبره الجنود أحد أبطال العبرانيين..

أما نحن العرب فكان الرجل لنا مصيبة وكارثة من مذبحة لبنان إلى تكسير عظام الفلسطينيين وقلبه نصر حرب 73 إلى نصف هزيمة.

 

الرجل يرقد الآن في بيته تحت إشراف عناية طبية لم يبق أمامه من وداع الأرض إلا أيام معدودات ويمثل هو وعرفات فترة صراع ضار بين أمتين..

 

ويجب أن نعترف ونقول إن بني صهيون مكنوا لأنفسهم في الأرض في فترة ستين عاما في هذه الحملة الصليبية الثامنة بدعم أوروبا وأمريكا حتى حين.. والرب يقول "وتلك الأيام نداولها بين الناس.."

 

لقد دخل الصراع العربي الصهيوني مع أيام شارون الأخيرة تحولا نوعيا من عدة جهات؛ توقف حرب الجيوش وبدء الحرب الموازية، بداية ولادة دولة فلسطينية مشوهة مثل ولد المنغولية، وولادة تطرف لا يعرف الحدود من كل الجهات مع روح من الإحباط واليأس والسواد. وفشل كل محاولة صلح مقابل أعشاش صهيوينة لا نهاية لها في الضفة الغربية، وهزيمة إسرائيل أمام مقاومة شعبية في لبنان..

 

هل تشيخت إسرائيل كما يودع قبيح الذكر شارون عالم الحرب والنكد إلى حساب بين يدي رب العزة والجلال فسائله عن قاتل ومقتول. هل إسرائيل في طريقها إلى النهاية. وكم أمامها من سنوات العيش بين وسط عربي كاره لها غير قادر على لفظها مثل لقمة الاختناق. "ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا".