الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 04:53 م

مقالات وآراء

تحرير لا وصاية

حجم الخط

يوشك أن جمع المختصون على أن المفاوضات مع الاحتلال ذاهبة إلى الفشل، السيد محمود عباس يدرك ذلك ، لذا فهو يقلب خياراته البديلة فوق الطاولة وفي العواصم، في عاصمة البرازيل التي زارها مؤخراً قال إنه سيطلب من مجلس الأمن فرض وصاية دولية على الأراضي الفلسطينية المحتلة ، هذا ما تناقلته وسائل الإعلام.

 

حسناً ، الحديث عن (الوصاية) يستدعي مباشرة الحديث عن (الانتداب) لأن الانتداب البريطاني على فلسطين كان شكلاً من أشكال الوصاية إلى حين نضوج الشعب ليحكم نفسه بنفسه ، الانتداب أضاع (فلسطين 1948) وملكها لليهود ، الشعب الفلسطيني يحمل ذكريات سيئة عن الانتداب . الأجيال المهجرة من فلسطين تعاني الآلام القاسية بسبب الانتداب.

 

إنه لمن المؤسف حقاً أن تطلب (فلسطين 1967) الوصاية الدولية ، فلسطين 1967م تطلب الوصاية بعد (44عاماً) من الكفاح والنضال! هل يعقل هذا؟! الوصاية الدولية كالانتداب فكرة رديئة ومستقبل تعيس!! لا وصاية ولا انتداب ولا قوات دولية لأنها أفكار تصادم فكرة التحرير والاستقلال ، وتعود بنا إلى الوراء .

 

المقاومة الفلسطينية حركة تحرر وطني ، التحرير والسيادة قبل السلطة والدولة ، لا سلطة ولا دولة بلا تحرير ، الشعب قاوم وقدم الشهداء والجرحى والأسرى من أجل التحرير ، حركة (فتح) اسمها حركة التحرير الوطني الفلسطيني . (الوصاية والانتداب) لا ذكر لهما في قاموس فتح أو منظمة التحرير.

 

الوصاية والانتداب ، والطرف الثالث أيضاً أفكار استعمارية صهيونية لحرمان الشعب الفلسطيني من الحق في المقاومة ، والحق في التحرير ، والحق في السيادة وبناء الدولة ، لا يطرح فكرة (الوصاية) إلا من يأس من فكرة التحرير ، أو تعب من أعبائه ، أو انحاز إلى فكر خارجي يكره فلسطين.

 

فكر الوصاية يعود بالشعب إلى نقطة الصفر ، إنه يعود به إلى البدايات الأولى بعد نكبة 1948م ، إنه دعوة (لأونروا) جديدة أوسع من القائمة ، فلسطين نضجت ، وبلغت الرشد ، وتجاوزت الوعي إلى العمل وهي ليس في مرحلة طفولة أو عجز لتقبل فكرة الوصاية ، (وتقلع عينها بيدها) ، يكفيها أنها فقد فلسطين 1948م.

 

فكرة (الوصاية ـ أو الطرف الثالث الدولي) هي فكرة (استعمارية ـ صهيونية) لحماية أمن (إسرائيل) ، ولن تفيد الفلسطيني في شيء ولا أدري ما هدف طرحها الآن ، لماذا ندخل فكرة رديئة ساحة النقاش الفلسطيني والدولي ، أربعون عاماً ونحن نطرح فكرة (التحرير) ، لماذا يطرح من شابت رؤوسهم فكرة (الوصاية) الآن لتزاحم فكرة بناها الشعب بالدم والتضحيات؟!

 

إن فكرة الوصاية تعبر فيما أحسب عن حالة عجز ويأس، أو تعبر عن طلب دنيا ورفاهية عيش، والحالتان تعبران عن أفراد ولا تعبران عن شعب !! الشعب كرس نفسه للتحرير ، السلطة عوقت التحرير ، وقدمت احتلالاً (ديلكس) ، والخلاص من الاحتلال يكون بالعودة إلى فكر التحرير ، فكر التحرير هو الذي أنتج القيادات الوطنية والتاريخية للشعب ، والوصاية هي فكرة تعني الطلاق البائن مع التحرير ، وهي وصفة جيدة للضعف والتبعية المذلة.