الثلاثاء 06 يناير 2026 الساعة 08:01 ص

مقالات وآراء

حصاد عام 2010

حجم الخط

بكل أسف علينا تأريخ العالم بالميلادي وليس بالهجري؛ فقد هجَرنا العالم وهجرناه منذ أيام ابن خلدون، وكتبت الحضارة بقلم ريتشارد قلب الأسد من اليسار إلى اليمين، وكانت تكتب من اليمين إلى اليسار، شاهدا على أن الأيام يداولها الرب بين الناس، والعاقبة للمتقين.

 

لابأس علينا أن نتذكر الأيام الحبالى من العام الذي ودَّع، ودخلنا عاما جديدا لا تعلم نفس ما أخفي لها فيه من مفاجآت وكوارث، أو أحداث سعيدات؟ على كل حال كل حدث هو من منظار من رأى؛ فقد يكون قمة السعادة أو حضيض القنوط، كان ذلك في الكتاب مسطورا.

 

في عام 2010م يمكن رصد أحداث جسام في السياسة والاقتصاد والبيولوجيا، والنضال السلمي أو الاقتتال بالسواطير والخناجر والطبنجات؛ فمازالت تفجيرات العراق ترسل إلى الموت كل يوم طابورا أو طابورين، ومصائر الدول ومصارع العباد، بالإضافة إلى روائح عنصرية قبيحة انبعثت من ألمانيا وهولندا.

 

وأخيرا اهتزت الأرض بأخبار أوسانج الشاب الأسترالي الذي وصل إلى قاع 400 ألف وثيقة سرية، كشف فيها عن عورات السياسيين، وقباحات رجال الحكم، وأباطرة المال، وزعماء المؤسسات والفرق الدينية؟ وكان عام 2010م موعد رحيل عشرات من الأدمغة الهامة من عالم العرب والأدب.

 

في الاقتصاد سمعنا عن حريق اليورو في اليونان، مما كشف الغطاء عن كارثة مالية في كل منطقة اليورو، والاستنفار بخيمة من 750 مليار يورو لتغطية عجز ايرلندا والبرتغال وإيطاليا واليونان وظهور شبه إفلاس في معظم دول اليورو، مع الخوف المريع من فرقعة اليورو كله، وانفراط عقد الاتحاد الأوربي، وهبط اليورو مقابل الدولار إلى الحضيض كطير ضربه سهم خاطف إلى 119 سنتا.

 

ومقابل أوروبا رأينا مشاهد إفلاس أميركي لا يصدق؛ فمع كل شروق شمس يزداد الدين العام 3.2 مليارات دولار، وخسارة 1500 وظيفة صناعية مع خراب المصانع ودرس المصالح، ويدلف إلى البطالة 7500 رب عائلة إلى الشوارع المزدحمة بالعاطلين البطالين ومعها غائلة الجوع والفقر والاضطراب الاجتماعي. وسمعنا عن تلك الرحلة الميمونة عن سفينة مرمرة التركية وهي تعطي العالم درسا جديدا في الحل المضمون لإزالة سرطان بني صهيون.

 

ومن البيولوجيا تدفقت الأخبار عن انتصارات شتى في الطب والعلاج، من زرع الخلايا الجذعية لمشلولين، وتركيب أطراف لمبتورين، وزرع شرائح كمبيوترية لعمي لا يبصرون وصم لا يسمعون، وبناء مجاهر ترى مركبات الخلية وهي تعمل، وأخيرا الكشف عن حالة بروجيريا مقلوبة من التوقف في الزمن؛ فيصبح عمر صاحبها عشرين وأربعين عاما فيجمد في عمر السنتين أو العشر، ومنه سيكشف أسرار مط العمر قرونا، مذكرا بقصة أصحاب الكهف وعمر نوح.

 

ومن ألمانيا وهولندا فاحت رائحة خبيثة من العنصرية فأصدر تيلو سارازين كتابه (ألمانيا تلغي نفسها) فبيع كأعظم كتاب صدر منذ الحرب العالمية الثانية (907000) نسخة وطلب (1,1) مليون كتاب مما جعل صاحبها بطلا قوميا مزيفا لجرمانيا العظمى. وانتقل الحريق العنصري كوباء إلى هولندا فأعلن جيرت فيلدرز أنه سيحرم القرآن ويعتبره مثل كتاب كفاحي لهتلر ويغرم كل سيدة تغطي رأسها بألف يورو، والجنون فنون كما نرى، والتاريخ يفرط من الضحك على ترهات هؤلاء، والسر هو أن ألمانيا عام 2100 م سيكون فيها أكثر من 35 مليون مسلم، وتتحول إلى جمهورية إسلامية مقابل تشيخ المجتمع الألماني وربما اعتنق حفيد سارازين الإسلام والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

ومع إغلاق العام اهتزت الأرض بالإنترنت وأوسانج الأسترالي يكشف عن عورة السياسيين بـ 400 ألف وثيقة سرية وتعلن أميركا أنه عدوها الأول، فيخرج لها بن لادن من نوع مختلف هذه المرة ليس بالسلاح والتفجيرات بل على الطريقة الأوروبية الحصيفة بالبيانات والأرقام والكلمات من أقلام وأفواه السياسيين المارقين الكذابين المنافقين فيختلط العالم والأرقام وتهتز الدوائر والعلاقات ويظهر الحياء في وجه من لا حياء لهم.

 

عام 2010م يخلد أيضا في جنون الطبيعة من حر وبرد وغرق باكستان وسيريلانكا وبركان آيسلاندا الذي فسره البعض بغضب الله وهي سننه على جميع خلقه كما رصد عام 2010م كمية من سقط من الرجال المهمين والأدمغة النيرة وأصحاب الأقلام الرفيعة في العالم العربي، سقط من السعودية أمثال القصيبي، والسوري الهويدي، ومن لبنان يكن وحسين فضل الله، والكويتي البغدادي، والمصري نصر حامد وفؤاد زكريا، والمغربي الجابري عليهم جميعا رحمة الله.. ولا تدري نفس في أي مرض ومكان وعام تموت… اللهم ارحمنا جميعا..